على عهد أبي بكر

 في الردّة

 أخرج الطبري عن سيف في ذكر ردة هوازن من حوادث سنة 11ه(62) ان علقمة بن علاثة الكلبي كان قد ارتد. فأرسل أبو بكر إليه القعقاع بن عمرو ليغير عليه فيأسره أو يقتله، ففر منه علقمة فأخذ القعقاع بأهله إلى أبي بكر، فأظهروا الاسلام وجحدوا أن يكونوا على رأي عميدهم، فقبل منهم التوبة ولم يقتل منهم أحداً.

 أخرج هذه الرواية الطبري عن سيف، ونقل منه كلّ من أبي الفرج وابن حجر في ترجمة علقمة، وابن الاثير ملخصاً في تاريخه الكامل، هذه رواية سيف ومن أخذ منه. أما من غيره فقد روى المدائني أن ابا بكر أرسل إلى علقمة خالد بن الوليد فهرب منه إلى أبي بكر وأسلم فأمنه (63)، إذن فإنَّ سيف بن عمر أسند عمل خالد إلى القعقاع ليختلق لبطل تميم الاسطوري فخراً، وعن سيف أخذ الطبري ومن الطبري أخذ من جاء بعده كما ذكرنا.

 مناقشة السند:

 في سند الحديث سهل وعبداللّه، وسهل عند سيف ـ هو ابن يوسف السلمي ويروي عنه في تاريخ الطبري سبعاً وثلاثين رواية.

وعبداللّه ـ عند سيف ـ هو ابن سعيد بن ثابت بن الجذع الانصاري يروي عنه سيف في تاريخ الطبري ست عشرة رواية. ولمّا لم نجد لهما ذكراً في كتب تراجم الرواة والطبقات جاز لنا أن نعتبرهما من مختلقات سيف من الرواة.

 نتيجة البحث:

 إن لقصة علقمة حقيقة ثابتة في التاريخ، وليست كلها من نسج خيال سيف. وما فعله سيف إنما هو نسبة عمل خالد إلى القعقاع!

 حصيلة الحديث:

 أ ـ فخر لبطل تميم الاسطوري، ب ـ راوية للحديث. اختلق هذا وذاك سيف في روايته.

 وفي غير قصة علقمة هذه وجدنا الحموي يقول في لغة بزاخة(64) : ((قال القعقاع بن عمرو يذكر يوم بزاخة:

    وافلتهن المسُحُلان وقد رأى

                              بعينيه نقعاً ساطعاً قد تكوثرا

   ويوما على ماء البزاخة خالد

                            أثار بها في هبوة الموت عِثيرا

   ومثّل في حافاتها كلّ مثلة

                        كفعل كلاب هارشت ثمّ شمَّرا)) (65)

 ويكثر الحموي من استخراج الرجز من أحاديث سيف، ويذكره في تراجم الاماكن غفلاً عن ذكر اسم راويه، كما سنرى فيما يأتي إن شاء اللّه.

 لا ندري كيف تخيل سيف، القعقاع في الابيات المذكورة؟ أتخيله مشتركاً في حروب خالد في البزاخة وانه على أثر اشتراكه نظم هذه الابيات؟ أم تخيله يصف تلك الحروب دون أن يشهدها؟ وهذا ما نستبعده! ولا ذكر للقعقاع عند غير سيف ممن ذكر يوم بزاخة.

 ولم نجد غير ما أوردنا ذكراً للقعقاع في حروب الردة، وفي غير الردة أكثرت الموسوعات التاريخية التي تأخذ عن سيف من ذكر بطولات القعقاع في الفتوح، أولها ما رواه سيف من مواقف له في حروب العراق.


 62  أخرج الطبري هذه الرواية في 1 / 1899 ط. أوربا عن السري عن سيف عن سهل وعبد اللّه، ومن الطبري نقل أبو الفرج في الاغاني 15 / 55 ط. ساسي، حيث قال: ثنا محمد بن جرير الطبري، قال: ثنا السري قال: ثنا شعيب عن سيف بن عمر...) الحديث. وأخرجها ابن حجر بترجمة علقمة من الاصابة 2 / 497 رقم 5677، وقال: ((وذكر سيف في الفتوح...)) الحديث وأوردها ابن الاثير في تاريخه الكامل 133 بإيجاز.

63  أورده أبو الفرج في الاغاني بترجمة عامر 15 / 55 ثم قال هكذا ذكر المدائني.

64  بزاخة: ماء في أرض نجد، وقعت حولها معارك في الردة. معجم البلدان.

65  المسحلان: تخيله سيف شخصا ويكثر من ايراد أسماء تختم بالالف والنون كابن الحيسمان (الطبري 1 / 2840) والقماذبان بن الهرمزان (الطبري 1 / 2801) والهبوة: الغبرة، والعثير: التراب، أو العجاج الساطع.