في العراق:

 أخرج الطبري بسنده عن سيف في ذكر حوادث 12ه(66) أن خالد ابن الوليد لما فرغ من اليمامة أمره أبو بكر بالمسير إلى العراق، كما أمره أن يأذن لمن شاء من الجند بالرجوع إلى أهلهم، فارفض عنه جيشه، فاستمد خالد من أبي بكر فامدّه بالقعقاع، فقيل له: ((أتمد رجلاً قد ارفض عنه جنوده برجل!؟)) فقال: ((لا يهزم جيش فيهم مثل هذا)).

 ثمّ ذكر الطبري للقعقاع في حروب خالد بالعراق بطولات وأراجيز، أورد الحموي قسماً منها في تراجم الاماكن بكتابه معجم البلدان، أوّلها ما ذكره في فتح الابُّلة (67).

 روى الطبري عن سيف أن أبا بكر أمر خالداً أن يبدأ بثغر أهل السند والهند، قال سيف: وهو يومئذ الابُّلة. وذكر في فتح الابُّلة: ان قائد الفرس هرمز واطأ أصحابه على الغدر بخالد، ثمّ طلب منه المبارزة، فلما برز إليه خالد راجلاً والتحما في القتال، حملت حامية هرمز على خالد  ناوين الغدر به، وكان القعقاع منتبهاً لهم، فحمل عليهم، وفوّت عليهم الغدر، وأزاحهم فقتل خالدُ هرمزَ وانهزم الفرس.

 روى هذا الخبر الطبري عن سيف، ومن الطبري أخذ كلُّ من ابن الاثير، والذهبي، وابن كثير، وابن خلدون، وما أوردوه في تواريخهم من أمر بعث خالد إلى العراق.

 ومن الحديث الاوّل أخذ ابن حجر ما أورده في الاصابة بترجمة القعقاع، حيث قال: إستمد خالد أبا بكر ـ إلى قوله ـ لا يهزم جيش

فيهم مثل هذا.

 هذا الخبر كان مصدرَه سيف، ومن سيف أخذ الطبري، ومن الطبري أخذ من أخذ!

 وبعد نقل هذا الخبر روى الطبري عن سيف قصة طويلة في الفتح والغنائم، ثمّ قال: ((وهذه القصة في أمر الابُّلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير، وخلاف ما جاءت به الاثار الصحاح، وإنما كان فتح الابُّلة أيام عمر (ره)، وعلى يدي عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة من الهجرة، وسنذكر أمرها)).

 وعندما ذكر بناء البصرة في سنة 14هأورد الاثار الصحاح التي وعد بها، وليس فيها ذكر مما رواه سيف هنا (68).

 مناقشة السند

 في سند الحديث المهلب بن عقبة ومحمّد بن نويرة وعرفناهما من مختلقات سيف من الرواة.

 والمقطع بن الهيثم بن فجيع العامري البكائي روى عنه سيف ثلاثة أحاديث في تاريخ الطبري، وحنظلة بن زياد بن حنظلة روى عنه سيف حديثين في تاريخ الطبري. ويغلب على الظن أن سيفاً تخيله ابناً لبطله الاسطوري الصحابي المختلق زياد بن حنظلة.

 وعبدالرحمن بن سياه الاحمري روى عنه سيف في تاريخ الطبري سبعة أحاديث.

 بحثنا عن هؤلاء الرواة في كتب الطبقات والتراجم والحديث ولم نجد لهم ذكراً في غير أحاديث سيف؛ فجاز لنا أن نعتبرهم من

مختلقاته من الرواة.

 نتيجة المقارنة:

 ذكر سيف أن أبا بكر أمد خالداً بالقعقاع في حرب العراق وأثنى عليه، ولم يذكر ذلك غيره. ونسب فتح الابُّلة لخالد، وفي السنة الثانية عشرة، وفي عهد أبي بكر، بينما الفتح كان في السنة الرابعة عشرة، وفي عهد عمر، وعلى يدي عتبة بن غزوان ـ وسيأتي إن شاء اللّه بيان سبب هذا التغيير من سيف ـ وتفرد سيف بذكر قتال خالد، ومن سمّـاه بالهرمز قائد الفرس إلى غير ذلك مما تفرد به، ومن الطبري أخذ ذلك من جاء بعده من المؤرخين ، وقسم من تلك الاحاديث كان مرويّاً عن رواة اعتبرناهم من مختلقات سيف.

 حصيلة حديث سيف:

أ ـ ثناء لبطل تميم الاسطوري من أبي بكر.

ب ـ نبوءة للخليفة المضري في شأن القعقاع: ((واللّه لا يهزم جيش فيه مثل هذا)).

ج ـ فتح مدينة في العراق يضاف إلى مفاخر بطل مضر.

د ـ فخر لتميم في نجدة القعقاع لخالد.

هـ اختراع رواة للحديث باسم المقطع بن الهيثم، ومحمّد بن نويرة، وحنظلة ابن زياد، مما سندرسه فيما يأتي إن شاء اللّه، والبركة في أحاديث سيف!


66  الطبري ط. أوربا 1 / 2016 و 2020 ـ 2026، وابن الاثير 2 / 148 وابن خلدون 2 / 295 ـ 296، وتاريخ الاسلام الكبير للذهبي 1 / 374 وابن كثير 6 / 342.

67  (الابلة): بلدة على شاطئ دجلة في زاوية الخليج الذي يدخل الى مدينة البصرة وكان فيها مسالح الفرس ـ م.

68  الطبري ط. أوربا 1 / 2377 ـ 2389.