خبر ما بعد الحيرة:

 روى الطبري عن سيف في خبر ما بعد الحيرة: أن أهل بانقيا وبسما صالحوا خالد بن الوليد على عشرة آلاف دينار سوى ما كان

لكسرى، وكتب لهم كتاباً شهد فيه القعقاع وغيره.

 وروى بعده: أنه لمّا استقام الامر بين أهل الحيرة وخالد صالحه الدهاقين على ما بين الفلاليج إلى هرمز جرد على ألفي ألف سوى ما على بانقيا وبسما، واستثنى من الصلح ما كان لال كسرى، وفي حديث آخر قال: ألف ألف درهم. وفي الروايتين ذكر كتاب صلح خالد لهم وفيه شهادة القعقاع وغيره.

 وذكر بعد ذلك أن خالد بن الوليد ولّى القعقاع في من ولّى على الثغور، وذكر أنه شهد في كتاب براءة خالد لاهل الخراج.

 أخرج هذه الروايات الطبري عن سيف، ومن الطبري أخذ كلُّ من ابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون في تواريخهم، واستخرج منها ثلاثة كتب صاحب كتاب مجموعة الوثائق السياسية (9) في كتابه.

 وفي غير رواية سيف وقع صلح بانقيا على ألف درهم، ولا ذكر عندهم للقعقاع وشهادته، ولا ذكر لصلح فلاليج إلى هرمز جرد عندهم، بل قالوا: ليس لاحد من أهل السواد عهد إلاّ أهل الحيرة وأليس وبانقيا، وليس في التواريخ ذكر لتولية الولاة على الثغور، ولا لكتاب براءة خالد لاهل الخراج (10).

 وروى الطبري عن سيف أنَّ أبا بكر كان قد بعث خالداً إلى أسفل العراق، وعياض بن غنم الفهري إلى أعلاها، ففتح خالد ما فتح من العراق أمّا عياض فانه حاصره الفرس فاستنجد بخالد، فخلّف خالد القعقاع على أهل الحيرة وذهب لاغاثة عياض، فاجتمع الفرس وعرب ربيعة بالحصيد ليواقعوا المسلمين، فاستغاثوا بالقعقاع في الحيرة، فأمدَّهم بجيش، ولما رجع خالد إلى الحيرة أرسل القعقاع لحرب من اجتمع من عرب الجزيرة والفرس في الحصيد، فالتقى بهم، وقاتلهم، وقتل القائد الفارسي روزمهر، وعصمة بن عبداللّه قتل روزبه.

 هذا ما رواه الطبري عن سيف، ومن الطبري أخذ كلُّ من ابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون في تواريخهم.

 ونقلنا في مقدمة كتابنا ((عبداللّه بن سبأ)) عن ابن الاثير قوله:

 إنه أخذ ما يتعلق بأصحاب رسول اللّه عن الطبري ولم يضف إليه شيئاً.

 وعن أبي الفداء قوله: إنه اختار تاريخه واختصره من تاريخ ابن الاثير.

 وعن ابن خلدون قوله: إنَّ الكلام في الخلافة الاسلامية وما كان فيها من الردة والفتوحات أوردها ملخصة من تاريخ الطبري.

 أمّا ابن كثير فإنَّه غالباً ما يذكر في كلّ خبر مصدره الطبري أو يذكر سيفاً وحده.

 وعلى هذه الرواية اعتمد الحموي بترجمة ((الحصيد)) حين قال: ((وادٍ بين الكوفة والشام أوقع به القعقاع بن عمرو في سنة 31 بالاعاجم ومن تجمع إليهم من ربيعة وتغلب وقعة منكرة، فقتل في المعركة روزمهر وروزبه مقدماهم، فقال القعقاع بن عمرو:

     ألا أبلغا أسماء أنَّ خليلَها

                      قضى وطراً من روز مهر الاعاجمِ

   غداة صبحنا في ((الحصيد)) جموعهَم

                          بهنديةٍ تَفري فراخَ الجماجم(11) ))

 هذا ما ذكره سيف ومنه أخذ الطبري ومن جاء بعده، ولم يذكر غيره عياضاً مع خالد في العراق، وإنما ذكروه في الشام ومع أبي عبيدة، ولم نجد ذكر الحصيد وحربها عند غير سيف!

 مناقشة السند:

 في سند الحديث محمّد والمهلب وزياد ممّن عرفناهم من مختلقات سيف من الرواة.

 والغصن بن قاسم الكناني ويروي عنه سيف ثلاثة عشر حديثاً في تاريخ الطبري.

 وابن أبي مكنف، ولم نجد لهما ذكراً في كتب تراجم الرواة والطبقات.

 ورجل من بني كنانة ولا نعلم ماذا تخيل سيف اسم هذا الرجل الكناني ، لنبحث عنه وحق لنا أن نعتبرهم بعد ذلك من مختلقات سيف من الرواة.

 حصيلة الحديث:

 أ ـ ثلاثة كتب معاهدة وصلح تدرس في الوثائق السياسية الاسلامية.

 ب ـ مكان يترجم في كتب البلدانيات.

 ج ـ شعر يجدر درسه في كتب الادب.

 د ـ مفخرة تضاف إلى مفاخر بطل تميم القعقاع. وكلّ ذلك له وجه في اختلاقه، ولكن ما وجه ذكر عياض في حروب خالد بالعراق حين كان مشتركاً في حروب أبي عبيدة بالشام، إن لم تكن الغاية تحريف التاريخ الاسلامي بدافع الزندقة أو غيره؟!


9  الطبري ط. أوربا 1 / 2049 ـ 2055، وابن الاثير 2 / 150، وابن كثير 6 / 348، وابن خلدون 2 / 299، والحيدر آبادي، مجموعة الوثائق السياسية، الكتاب المرقم 293 و 301 و 340.

10  الطبري ط. أوربا 1 / 2016 ـ 2018، عن الكلبي، عن أبي مخنف، وعن ابن إسحاق، والبلاذري في فتوح البلدان 342، ومعجم البلدان في ترجمة بانقياء.

11  فراخ الجماجم، يعني المخوخ: جمع المخ.