صرف خالد إلى الشام:

 ذكر المؤرخون أن عمرو بن العاص لما رأى كثرة الجموع بالشام كتب إلى أبي بكر يذكر أمر الروم وما جمعوا، ويستمده. فشاور أبو بكر من عنده من المسلمين فقال عمر بن الخطاب: يا خليفة رسول اللّه (ص) ! أُكتب إلى خالد بن الوليد: يسير بمن معه إلى عمرو بن العاص، فيكون له مدداً، ففعل أبو بكر. وكتب إلى خالد بن الوليد، فلمّأ أتاه كتاب أبي بكر قال: هذا عمل عمر، حسدني على فتح العراق وأن يكون على يدي، فأحب أن يجعلني مدداً لعمرو بن العاص وأصحابه فأكون كأحدهم، فإن كان فتح شركنا فيه. أو أكون تحت يدي بعضهم، فإن كان فتح كان ذكره له دوني(14) .

 وفي رواية قال: (هذا عمل الاُعيسر ابن أم شملة كره أن يكون فتح العراق على يدي...) الحديث.

 وكره سيف أن يشتهر وقوع التظني والشحناء بين الخليفة عمر والبطل خالد وكلاهما من مفاخر مضر، وكره أن يحرم خالد من فتوح العراق فوضع الحديث في فتوح خالد بالعراق ما مر علينا قسم منه. وعالج قصة صرف خالد من العراق إلى الشام بما وضع في عدد من رواياته، منها قوله فيما سبق: أن اثنين من المسلمين قتلا في غارة خالد على مصيخ بني البرشاء فاعتد عمر بقتلهما عليه. وما روى من كراهية أبي بكر لتعسفه الطريق في حجه متكتماً، فعاقبه لذلك، وذكر في حديث آخر أن عمر لم يزل يكلم أبا بكر في خالد فأبى أن يطيعه. وقال: لا أشيم سيفاً سلَّه اللّه (15)، وأورد كتاب أبي بكر إليه بالسفر في حديث آخر، وكله اختلاق، ثمّ قال في حديث خامس (16) له بعد تمهيده ما سبق ذكره:

 إنّ خالداً أظن عمر، وقال: هذا عمله. حسدني أن يكون فتح العراق على يدَيّ وبي ـ بعد اللّه ـ كسر اللّه حد العراق ورعَّب أهليه، وشجَّع المسلمين على غزوه.

 وقال في حديث سادس بعده: (ولا يشعر ان عمر لا ذنب له. فقال له القعقاع: إرفع لسانك عن عمر، واللّه ما كذب الصديق، قال:

صدقتني فقبح اللّه الغضب والظنون! واللّه يا قعقاع أغريتني بحسن الظن. فقال القعقاع: الحمدللّه الذي خلصك وأبقى فيك الخير ونفى عنك الشر...) الحديث.

 من هذا الحديث نفهم سرّ اختلاق سيف لخالد تلك الغنائم والفتوح، اختلق كلّ ذلك ليستطيع أن يروي عن لسان خالد أنه قال: بي ـبعد اللّه ـ كسر اللّه حد العراق، ورعَّب أهليه، وشجَّع المسلمين على غزوه، وبعد خالد يعود الفضل في ذلك لبطل تميم القعقاع، وإخوته من تميم، وإلى القعقاع أيضاً يعود الفضل في إصلاح نفس خالد، كما يعود إليه الفضل في وضع حد لاستمرار خالد بالقتل على نهر الدم، وله في حديث سيف مواقف أخرى في الشام، والعراق، يأتي بيانها فيما يلي.

 مناقشة السند:

 روى سيف حديث صرف خالد من العراق إلى الشام بالاسانيد المذكورة في حديث الفراض وفيهم صحابة ورواة مختلقون.

 خلاصة البحث:

 في ذكر حوادث سنة 12ه، أورد الطبري حديث سيف في بطولات القعقاع مع خالد في العراق، والحموي في ترجمة الاماكن التي أشرنا إليها، ومن الطبري أخذ كلّ من ابن الاثير وابن كثير، وابن خلدون، وأشباههم جميع ما أوردوا من هذا الحديث في تواريخهم، فإنَّهم يرجعون إلى الطبري وحده فيما ينقلون من تاريخ الصحابة، وقد برهنّا على ذلك في فصل منشأ الاسطورة من كتاب عبداللّه بن سبأ!

 وقد أورد البلاذري فتوح خالد في العراق بشيء من التفصيل وليس فيه ذكر للقعقاع ولا لمئات الالوف من القتلى. ولا لكثير من

تلك الحروب والفتوح، ولا للبلاد المفتوحة كالثني، والولجة، والحصيد، وغيرها، كما أن الطبري نفسه أيضاً أخرج من طريق ابن إسحاق حروب خالد في العراق قريباً مما ذكره البلاذري، وليس فيه ذكر لشيء من ذلك، كما ليس عند الدينوري أيضاً في الاخبار الطوال شيء منه، وإنَّ كلّ ذلك اقتصر حديثه على سيف ورواته (17).


14  ابن عساكر 1 / 447، وفي 466 أخصر من هذا.

15  الطبري ط. أوربا 1 / 2070 و 2076 و 2085.

16  ابن عساكر 1 / 464.

17  ورد جميع ما ذكر من حروب خالد في العراق عند الطبري 1 / 2020 ـ 2077، وابن الاثير 2 / 147 ـ 153، وابن كثير 6 / 342 ـ 352، وابن خلدون 2 / 295 ـ 303، والبلاذري في فتوح السواد من فتوح البلدان 337 ـ 350، والاخبار الطوال للدينوري ص 111 ـ 112.