في
طريق الشام:
روى سيف في كيفية سفر خالد إلى الشام وقال: سار خالد
إلى سوى ـ وسوى: ماء من ناحية السماوة بالعراق ـ وأغار من سوى على
مصيخ بهراء بالقصواني، وقال سيف: مصيخ بهراء ماء من المياه. ثمّ قال:
وكان أهل النمر يشربون وساقيهم يغنيهم ويقول: ((ألا صبحاني قبل جيش
أبي بكر))، فضربت عنقه فاختلط دمه بخمره.
وروى الطبري عن سيف بعد هذا ما ملخصه: أنَّ خالداً
ذهب بسبي بهراء إلى سوى، فبلغه تجمع غسان بمرج راهط، فسار من سوى
حتّى بلغ مرج الصفر. فقاتل غسان وعليهم الحارث بن الايهم. فانتسف
عسكرهم وعيالاتهم، ونزل بالمرج أياماً، وبعث إلى أبي بكر بالاخماس،
ثمّ خرج منها حتّى نزل قناة بصرى، فكانت أول مدينة افتتحت بالشام على
يدي خالد وجند العراق، وخرج منها فوافى الواقوصة فنازلهم بها في تسعة
آلاف.
إنتهى ما أورده الطبري. ومنه أخذ ابن الاثير في
تاريخه، وأخرج رواية سيف هذه أيضاً ابن عساكر بترجمة القعقاع، وفي
آخرها: وقال القعقاع بن عمرو في مسير خالد من سوى إلى الواقوصة:
قطعنا أماليس البلاد بخيلنا
نريد سوى من ابدات قراقر
فانا صبحنا بالمصيّخ أهله
فطاروا أيادي كالطيور
النوافر
أفأنا به بهراء ثمّ تجامرتْ
بنا العيسُ نحو الاعجمي
الفرافر
فقلنا لبصرى أبصري فتعاممت
ودونهم بالمرجِ مرج الاصافر
جموع عليها الايهمان وحارث
لغسان أشباه السباع العراور
بدأنا بمرج الصّفرين فلم ندع
لغسان أنفاً فوق تلك
المناخر
صبيحة طار الحارثان ومن به
سوى نفر نحتزَّهم
بالبواتر
وجئنا إلى بصرى وبصرى مقيمة
فألقت إلينا بالحشا
والمعاذر
فضضنا بها أبوابها ثمّ قاتلت
بنا العيس في اليرموك جمع العشائر(18)
أخرج هذا الشعر ابن عساكر في آخر رواية سيف وحذفه
الطبري، وهكذا يحذف الطبري رجز الرجاز من الروايات، وإلى حديث سيف
هذا يستند الحموي في ترجمته لمصيخ بهراء، حيث يقول: (ومصيخ بهراء هو
ماء آخر بالشام، ورده خالد بن الوليد بعد سوى في مسيره إلى الشام،
وهو بالقصواني، فوجد أهله غارين وقد ساقهم بغيهم، فقال خالد: احملوا
عليهم، فقام كبيرهم فقال:
ألا صبِّحاني قبل جيش أبي بكر
لعل منايانا قريب وما
ندري
فضرب عنقه، واختلط دمه بخمره، وغنم أهلها، وبعث
بالاخماس إلى أبي بكر (رض)، وسار إلى اليرموك، وقال القعقاع يذكر
مصيخ بهراء:
قطعنا أباليس البلاد بخيلنا
نريد سوى من ابدات
قراقر
فلما صبحنا بالمصيّخ أهله
وطار إباري كالطيور
النوافر
أفاقت به بهراء ثمّ تجاسرت
بنا العيس نحو الاعجمي
القراقر)
إنتهى وإلى هذا الحديث يستند أيضاً فيما أخرجه بترجمة
اليرموك حيث يقول:
(وقال القعقاع بن عمرو يذكر مسير خالد من العراق إلى
الشام بعد أبيات:
بدأنا بجمع الصفرين فلم ندع
لغسّان أنفاً فوق تلك
المناخر
صبيحة صاح الحارثان ومن به
سوى نفر نجتذّهم
بالبواتر
وجينا إلى بصرى، وبصرى مقيمة
فألقت إلينا بالحشا
والمعاذر
فضضنا بها أبوابها، ثمّ قابلت
بنا العيس في اليرموك جمع
العشاير)
ومن الحموي أخذ عبدالمؤمن ما أورده بترجمة المصيخ،
واليرموك في مراصد الاطلاع.
هذا في حديث سيف، وفي غير حديث سيف لم يرد ذكر مصيخ
بهراء، أما فتح بصرى، فقد أجمع المؤرخون على أن الجيوش الاسلامية
كانت نازلة عليها قبل مجيء خالد، بقيادة أبي عبيدة، ويزيد بن أبي
سفيان، وشرحبيل بن حسنة، فجاء خالد مع جنده، والتحق بهم فلم يكن
فتحها خاصاً بخالد وجند العراق(19).
مناقشة
السند:
في سند حديث سيف عن سفر خالد إلى الشام ممن سبق ذكره
من مختلقاته من الرواة محمّد والمهلب، وفي سند حديثه ((عبيداللّه بن
محفز بن ثعلبة عمن حدثه من بكر بن وائل)) أما عبيد فان سيفاً يروي
عنه ستة أحاديث في الطبري، ولم نجد له ذكراً عند غيره. ومن يكون ((من
حدثه من بكر بن وائل)) لنبحث عنه؟
نتيجة
المقارنة:
حديث واحد لسيف أخرجه ابن عساكر تاماً بترجمة
القعقاع، وأسنده إلى سيف. والطبري في خبر مسير خالد إلى الشام، وحذف
رجز القعقاع من آخر الرواية جرياً على عادته في حذف
رجز الرجاز من الروايات، والحموي أخرج قسماً منه في ترجمة المصيخ،
وقسماً بترجمة اليرموك دون أن يذكر راوي الحديث، وهذا ما يشوش على
الباحثين، ويوهمهم أن اسم القعقاع ورد في غير روايات سيف، كما يوهم
ذلك في المصيخ، ولا ينتبه الباحث إلى المصيخ من نسج خيال سيف القصاص،
ولا وجود لها خارج أساطيره!
حصيلة
الحديث:
أ ـ بطولات لخالد.
ب ـ مكان ترجم له في كتب البلدان.
ج ـ أبيات للقعقاع التميمي أضيفت إلى الثروة
الادبية.
د ـ فتح أول مدينة في الشام على يد خالد وجند العراق موطن سيف.
18 أماليس: الفلوات الجرداء. وسوى، والمصيخ،
وبهراء، وبصري، ومرج الاصافر، والصفرين، وقراقر، مواضع ذكرها سيف في
أحاديثه، وذكرت تراجمها في معجم البلدان، والابدات جمع الابدة:
الداهية، وأفأنا: أرجعنا، وتجامرت: تجمعت، والفرافر ـ المسرع،
وتعاممت لعلها تعامهت بالهاء من العمه وهو التردد والحيرة، والايهمان
والحارث والحارثان أسماء قواد (تخيلهم سيف)، والعراور لعلها جمع
العارور والعارورة: الرجل القذر والمشؤوم والذي يعر قوما أي يدخل
عليهم مكروها يلطخهم، والحشا في الصدر والبطن، والمعاذر: جمع المعذرة
أي الحجة: وجمع المعذار وهي الستور والحجج.
19 قد أخرج ابن عساكر مختلف روايات المؤرخين في
ذلك، راجع 1 / 447 ـ 470 في تاريخه، والطبري ط. أوربا 1 / 2110 ـ
2127، وابن الاثير 2 / 312 ـ 314.