فحل:
في رواية سيف عند الطبري، وابن عساكر، أن أبا عبيدة
سار إلى فحل بعد فتح دمشق، وعدد جيش الروم بها ثمانون ألفاً، فهجموا
على المسلمين بغتة، وقاتلهم المسلمون يوماً وليلة، فانهزموا، وانتهت
هزيمتهم إلى وحل كانوا بثقوا عليها الماء ليكون خندقاً لهم، فأصيب
الثمانون ألفاً، ولم يفلت منهم إلاّ الشريد، وفي آخر هذه الرواية عند
ابن عساكر: وقال القعقاع ابن عمرو:
كم من أبٍ لي قد ورثتُ فَعالَه
جمّ المكارم بحرُهُ
تيّارُ
ورثَ المكارمَ عن أبيه وجدّهِ
فبنى بناءهُم له
استبصارُ
فبنيتُ مجدهُمُ وما هدّمتهُ
وبنيَّ بعدي إنْ بقوا
عُمّارُ
مازال منّا في الحروب مروَّس
ملك يُغير وخلفَه جَرارُ
بطلُ اللّقاء إذا الثّغورُ تواكلتْ
عند الثغور مجرَّبٌ مظفارُ
وغداةَ فحلٍ قد رأوني معلماً
والخيلُ تنحط والبلا
أطوار
يفدي بلائي عندها متكلّفٌ
سلسُ المياسر عُودُهُ
خوَّار
سلس المياسر ما تسامى مأقطاً
عند الرَّهان مُعيّرٌ
عَيّارُ
مازالتِ الخيلُ العرابُ تدوسهم
في حَومِ فحلٍ والهبا
موّار
حتّى رمين سراتهمْ عن أسرهم
في ردغةٍ ما بعدها استمرار
يوم الرّداغِ بُعيدَ فحْلٍ ساعةً
وخزُ الرماحِ عليهم
مدْرار
ولقد أبرنا في الرُداغ جموعَهم
طراً ونحوي تشخصُ الابصار(24)
وروى عن سيف أنه قال:
وغداة فحل قد شهدنا مأقطاً
يُنسِي الكميَّ سلاحَه في الدار
مازلتُ أرميهم بقرحة كاملٍ
كرّ المنيح ربابة
الايسار
حتّى فضضنا جمعهم بمروّس
ينفي العدوّ إذا سما
جرّارِ
نحن الاُلى جُسنا العراق بخيلنا
والشامَ جسنا في ذرى
الاشفار
كم من قَمامسة ابرنا جمعهم
بعد العراقِ وبعد ذي
الاوتار(25)
على هذه الرواية استند الحموي في لغة فحل حيث قال:
كانت فيه وقعة للمسلمين قتل فيه من الروم ثمانون
ألفاً، وكان بعد فتح دمشق في عام واحد، وقال فيه القعقاع بن عمرو:
(كم من أب لي قد ورثت فعاله) إلى أربعة أبيات من
الرجز دونما ذكر لسند روايته.
هذه الرواية، أخرجها الطبري عن سيف، وحذف الاراجيز
منها جرياً على عادته في حذف الاراجيز، وأخرجها ابن عساكر بتمامها مع
الاراجيز، وأخرج موجزها الحموي بلا سند في لغة فحل، الرواية تخالف
الواقع التاريخي الذي رواه المؤرخون، مثل البلاذري الذي ذكر أنَّ
القتلى كانوا زهاء عشرة آلاف كما خالف المؤرخين في حضور أبطال تميم
في حروب الشام فقد روى ابن عساكر أن المؤرخين قالوا لم تحضر فتوح
الشام أسد ولا تميم ولا ربيعة، إنما كانت دارهم عراقية فقاتلوا أهل
فارس بالعراق (26).
مناقشة السند:
في سند حديث سيف عن فحل، أبو عثمان يزيد ممن عرفناه
من مختلقاته.
نتيجة
البحث:
في فتح دمشق، أعطى أهل دير خالد، سُلَّماً لخالد
ليصعد السور، وسيف يقول: إن القعقاع ورفيقه ألقياً حبلاً وصعدا عليه،
وقال في فحل أن عدد القتلى كان ثمانين ألفاً، وعند غيره عشرة آلاف.
ذكر واقعة فحل بعد دمشق بينما كانت قبلها، ويروي أراجيز للقعقاع في
فتح دمشق، وفحل، حذفها الطبري من رواية سيف، وأخرجها ابن عساكر، ومن
رواية سيف أخذ الحموي في لغة فحل ما أشرنا إليه.
من الطبري أخذ كلُّ من: ابن الاثير وابن كثير وابن
خلدون في تواريخهم، وصرح من بينهم ابن كثير بمصدره، حيث قال ((ذكرها
الامام أبو جعفر بن جرير بعد فتح دمشق وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر
فيما رواه عن.. قالا..)) الحديث.
حصيلة
الحديث:
أ ـ بطولة لبطل تميم في تسلقه سور دمشق!
ب ـ سبعون ألف قتيل إضافة على عدد القتلى في فحل.
ج ـ أراجيز للقعقاع فيها يثبت ما كان لتميم من ملوك
في الحروب يغير أحدهم وخلفه جرار، وان القعقاع ورث المجد أباً عن جد،
وبنوه بعده عُمّار، وانه تشخص الابصار نحوه في الحروب!!
خلاصة
البحث:
القعقاع هو الذي أنشب القتال في اليرموك، وفاز فيها
كما فاز بأيام العراق، واشترك في فتح اليرموك، ودمشق، وفحل، ونظم
فيها الاراجيز، وأضيف إلى عدد القتلى في الفتوح عشرة آلاف ومائة ألف
قتيل، كلّ ذلك وغيره مما تفرد به سيف!
* *
*
كان هذا ما وجدنا من روايات سيف في حروب القعقاع بالشام، وأخرج ابن
عساكر والطبري عن سيف في كيفية رجوعه، أن الخليفة عمر كتب إلى أبي
عبيدة بصرف جيش العراق إلى بلادهم لامداد سعد، فصرفهم، وفي مقدمتهم
القعقاع(27)، وفيما يأتي تفصيل ما روى سيف للقعقاع
في حروب العراق مع سعد بن أبي وقاص.
24 النحط: صوت الخيل من الثقل والاعياء. سلس
المياسر، وعوده خوار: يعني الضعيف الجبان. المأقط: المضيف في الحرب.
والمعير العيار: يريد المعيب المتردد. والهباء الموار: يقصد به
الغبار الثائر المتحرك. وأباده: أهلكه، والرداغ: الوحل.
25 القرحة: غرة في جبهة الفرس، وكامل: اسم فرس زيد
الخيل وقال فيه: ((مازلت أرميهم بغرة كامل...)) ومنه اقتبس سيف.كر
المنيح: السهم الخاسر، والربابة: جماعة السهام، والايسار: جمع الياسر
وهو الضارب بالسهم، وينفي لعل الاصل يفني، وجرار: أي جيش كثيف وهو
صفة للمروس أي الرأس أو المؤمر، وجاس الديار: عاث فيها فسادا، ذرى
الاشفار يعني ظل السيوف. القمامسة: البطارقة، وذي الاوتار: كذا جاءت.
26 الطبري ط. أوربا 4 / 59 ـ 60، وابن عساكر 1 /
485 ـ 488 و 535، وفتوح البلدان للبلاذري ص 158.
27 الطبري في حوادث سنة 13، تسلسل 1 / 2154 ط.
أوربا، وط. مصر 4 / 120 وتاريخ ابن عساكر 1 / 517، وابن كثير 7 / 25،
وفصل ((تحريف في سني الحوادث)) من كتاب (عبد اللّه بن سبأ).