في فتوح العراق ثانية:

 روى الطبري عن سيف (28) في فتح القادسية أخبار ثلاثة أيام:

 1 ـ يوم أرماث ـ ويأتي ذكره بترجمة عاصم ـ.

 2 ـ يوم أغواث.

 3 ـ يوم عماس.

 وفيه ذكر وصول كتاب الخليفة إلى أبي عبيدة، وصرفه جيش العراق إلى العراق، وفي مقدمته القعقاع، وقال: فتعجل القعقاع، وطوى المنازل، فقدم صبيحة أغواث، وقد عهد إلى أصحابه أن يتقطعوا أعشاراً، وهم ألف، فكلما بلغ عشرة مدّ البصر سرحوا في آثارهم عشرة، فتقدم القعقاع أصحابه في عشرة، فأتى جيش المسلمين، وسلم عليهم، وبشرهم بالامداد، وحرضهم على القتال، وقال: اصنعوا كما أصنع!

وطلب البراز فقالوا: فيه يقول أبو بكر ((لا يهزم جيش فيهم مثل هذا)) فخرج إليه ذو الحاجب (29) فعرفه القعقاع، فنادى يا لثارات أبي عبيد وأصحاب الجسر، فقتله القعقاع، ثمّ برز إليه البيرزان، فقتله وجعلت خيله ترد إلى الليل عشرة بعد عشرة، كلما قدم عشرة كبّر القعقاع، وكبّر المسلمون، وبذلك عزز موقف المسلمين وأرهب العدو. ونادى القعقاع يا معشر المسلمين باشروهم بالسيوف فإنما يحصد الناس بها.

 وفي هذا اليوم أعطاه سعد مما بعث عمر لاهل البلاء في الحرب فرساً، فأنشد القعقاع:

    لم تعرفِ الخيل العرابُ سواءنا

                       عشيةَ أغواثِ بجنبِ القوادس (30)

   عشيّةَ رحنا بالرّماحِ كأنها

                       على القوم ألوان الطيورِ الرسارسِ

 وقال: (وحمل بنو عم القعقاع يومئذ عشرة عشرة من الرجالة على ابل قد ألبسوها، فهي مجللة مبرقعة، وأطافت بهم خيولهم يحمونهم،

وأمرهم القعقاع أن يحملوها على خيول الفرس يتشبهون بالفيلة، فلقي الفرس من الابل يوم أغواث أعظم ما لقي المسلمون من الفيلة يوم أرماث، فجعلت خيولهم تفر منها، وركبتهم خيول المسلمين...) الحديث.

 وأخرج الطبري أيضاً عن سيف وقال:

 وحمل القعقاع يومئذ ثلاثين حملة، كلما طلعت قطعة من خيل المشركين حمل حملة، وأصاب فيها، وهو يرتجز:

أُزعجهمْ عمداً بها ازعاجا

أطعنُ طعناً صائباً ثجّاجا

أرجو به من جنةٍ إفراجا(31)

 فقتل ثلاثين في ثلاثين حملة، آخرهم بزرجمهر(32)، وقال فيه:

حبوتُه جيّاشـة بالنفسِ

هدارةً مثلَ شُعاع الشّمسِ

في يوم أغواث فليل الفـرس

انخس بالقـوم أشدّ النخس

حتّى تفيضَ معشري ونفسي (33)


28  الطبري في حوادث سنة 14 تسلسل 1 / 2305 ـ 3327 ط. أوربا وط. مصر 4 / 120 ـ 128.

29  هو الذي قاتل أبا عبيد يوم الجسر فارتث أبو عبيد يوم ذاك واستشهد بعده.

30  القوادس: يقصد بها القادسية، والرسارس كذا جأت.

31  الثجاج: السيال الشديد.

32  بزرجمهر: تعريب بزرك مهر، أي رئيس الوزراء.

33  (حبوته جياشة...) الابيات يريد اعطيته ما ينزع منه الروح بصمصامة تلمع كالشمس، كثيرة هدر النفوس أوّلها هدير، حتى أفنى أنا ومعشري.