في ليلة الهرير:
روى الطبري (37) عن سيف وقال: لما
أمسى الناس من يومهم ذلك وطعنوا في الليل اشتد القتال وصبر الفريقان
لاينطقون، كلامهم
الهرير، فسميت ليلة الهرير. وروى الطبري عن سيف أنَّ
الفرس رموهم بالنبال، فقتل خالد بن يعمر التميمي العمري، فحمل
القعقاع على الصف الذي رمي منه وهو يقول:
سقى اللّهُ ياخوصاء قبرَ ابنِ يعمر
إذا ارتحل السُفّار لم
يترحلِ
سقى اللّه أرضاً حلّها قبرُ خالد
ذِهابَ غوادٍ مدجناتٍ
تجلجل
فأقسمتُ لا ينفكَّ سيفي يحسّهم
فان زحل الاقوام لم أتزحّل
(38)
فزاحفهم بغير إذن سعد. فقال سعد: اللّهمّ اغفرها له
وانصره، قد أذنت له إذ لم يستأذني، وأعانه بالجيش، فقامت الحرب تلك
الليلة حتّى الصباح، وأول شيء سمعه سعد ليلتئذ مما يستدل به على
الفتح في نصف الليل الباقي صوت القعقاع، وهو يقول:
نحن قتلنا معشرا وزائدا
أربعـةً وخمسـةً وواحـدا
نحسبُ فوقَ اللّبد الاساودا
حتّى إذا ماتوا دعوت جاهدا
اللّه ربّي واحترزت عامدا (39)
ولما أصبحوا؛ والناس حشرى لم يغمضوا ليلتهم كلها،
فسار القعقاع في الناس، وقال: إن الدبرة بعد ساعة لمن بدأ القوم
فأصبروا ساعة واحملوا، فإنَّ النصر مع الصبر، فاجتمع إليه جماعة من
الرؤساء، وصمدوا لرستم حتّى خالطوا الذين دونه مع الصبح، فلما رأت
ذلك القبائل قام فيها رؤساؤهم يحفزونهم على القتال، وهبت ريح عاصف
وقلعت طيارة رستم عن سريره، وانتهى القعقاع ومن معه إليه، فقتلوه،
وانتصر المسلمون، وفرّ المشركون، وأمر سعد القعقاع، وآخرين من الجيش
أن يتبعوا أثر الفارين، فأتبعوهم حتّى انتهوا إلى الردم (40)
وقد بثقوه ليمنعوا المسلمين من عبوره، فضرب بكير بن عبداللّه فرسه ـ
وكانت أنثى ـ وقال لها: ((ثبي أطلال)) فتجمعت، وقالت: ((وثباً وسورة
البقرة)) ووثبت، فاقتحم الباقون خلفه وذهبوا خلف الفارين، وقتلوا من
وجدوا منهم حتّى انتهوا إلى النجف ثمّ رجعوا.
إن أسطورة نطق اطلال فرس بكير ويمينها بسورة البقرة
أن تثب، انتشرت انتشاراً عجيباً، وأوردها العلماء في كتبهم بتصرف،
ولم يذكروا مصدرهم، ومنهم ابن الكلبي، فقد قال بترجمة أطلال: فرس
بكير بن عبداللّه الشداخ الليثي، وكان وجه مع سعد بن أبي وقاص، وشهد
القادسية، فيزعم ـ واللّه أعلم ـ أنّ الاعاجم لما قطعوا الجسر الذي
على نهر القادسية صاح بكير بفرسه اطلال ((وثباً اطلال)) فاجتمعت، ثمّ
وثبت، فإذا هي من وراء النهر، فهزم اللّه به المشركين يومئذ، ويقال:
إن عرض نهر القادسية يومئذ أربعون ذراعاً، فقال الاعاجم: هذا أمر من
السماء!
وذكرها ابن الاعرابي (ت: 231ه) في ((أسماء الخيل))،
والغندجاني (ت: 428ه) في ((أسماء خيل العرب))، والبلقيني (ت: 805ه)
في ((أمر الخيل)).
وفي قواميس اللغة في لغة (طلل) قال ابن منظور في
لسان العرب: يزغم الناس أنها تكلمت لما هربت فارس يوم القادسية،
وذلك أن المسلمين تبعوهم فانتهوا إلى نهر قد قطع جسره، فقال فارسها:
((ثبي أطلال)) فقالت: ((وثبت وسورة البقرة)).
وقال الفيروزآبادي: زعموا أنها تكلمت لما قال لها
فارسها يوم القادسية، وقد انتهى إلى نهر: ((ثبي أطلال)) فقالت الفرس:
((وَثَبْتُ
وسورة البقرة)) وتبعه الزبيدي في التاج كذلك!
هذا ما كان من أمر الايام الثلاثة التي ذكرها سيف،
أما ليلة الهرير فقد جاء ذكرها في فتوح البلاذري دون ذكر ما روى فيه
سيف، وكذلك كان لبكير وفرسه أطلال وجود حقيقي جاء ذكره في فتح موقان،
غير أن نسبة أسطورة ((وثبا وسورة البقرة)) إليه تفرد بها سيف(41).
مناقشة
السند:
في أسانيد أحاديث سيف عن رجوع القعقاع إلى العراق
وفتوح العراق الثانية: أبو عثمان يزيد، وزياد بن سرجس، ومحمّد والغصن
ممن عرفناهم من مختلقات سيف وفيها عمرو بن الريان يروي عنه سيف خمسة
أحاديث في الطبري قالوا في تعريفه ((شيخ لسيف بن عمر. لا شيء، مجهول
بالنقل)) وفيها من يروي عنه سيف حديثاً واحداً وهم ((حميد بن أبي
شجار)) و ((بن المحراق عن رجل من طي)) و((جخدب بن جرعب عن عصمة
الوائلي)) ولم نجد لهم ذكراً عند غير سيف ولا ندري ما اسم ابن
المحراق؟ ومن هو رجل من طي؟ أغلب الظن أنَّ سيفاً لم يكن جاداً بل
كان هازلاً هازئاً بالمسلمين عندما روى الحديث عن جخدب بن جرعب، وابن
المحراق عن رجل من طي وأمثالهم! دفعه إلى ذلك ما رمي به من الزندقة!
نتيجة
البحث:
تفرد سيف بذكر ثلاثة أيام من القادسية وما قبلها من
رجوع جيش العراق الى العراق وفيهم القعقاع، وأخذ منه الطبري، ومن
الطبري أخذ ابن الاثير وذكرها سياقا واحدا دونما ذكر لسنده، كما هو
شأنه في كل ما ينقل عن الطبري.
وذكرها ابن كثير تفاريق وابتدأ الخبر بقوله ((قال
ابن جرير رحمه اللّه)) ثمّ ذكر الروايات منسوبة إلى سيف وذكر اسمه
تسع مرات.
وذكرها ابن خلدون وبدأ بقوله: ((قال سيف...))
الحديث.
وذكرها كذلك ميرخواند، في (روضة الصفا) دونما إشارة
إلى مصدر الخبر، وذلك شأنه غالباً في ما يذكر من خبر في كتابه.
تفرد سيف برواية ما ذكره في أمر القادسية (42)
ولم يرد عند غيره ذلك، كما تفرد بذكر جميع الاساطير التي ذكرناها
هناك، ومنه أخذ من أخذ من المؤرخين، ومما وضع في تلك الاساطير، ما
روى أنهم قالوا في شأن القعقاع: ((فيه يقول أبو بكر لا يهزم جيش فيهم
مثل هذا)) فأيد به ما وضع سابقاً على لسان أبي بكر في شأن القعقاع.
وهكذا يضع في رواياته ما يؤيد بعضه بعضاً؟ ورأينا من انتشار أُسطورة
تكلم أطلال ـ فرس بكير ـ أمراً عجيباً، وما ذلك إلاّلان القصة وضعت
كما يرغب الناس أن يسمعوا، وهكذا تنتشر الاساطير!
حصيلة
الحديث:
أ ـ بطولات للقعقاع نكاد لا نجد لها نظيراً في
التاريخ لابطال الا سلام الحقيقيين.
ب ـ تدبير حربي قوّى به معنوية الجيش في يومين في
تقطيعه الفرسان وتكتيبه الكتائب.
ج ـ قطعه مشافر الفيل وبه فتح على الناس، كما شهدت
بذلك أم المؤمنين عائشة.
د ـ ثلاثة أيام: أرماث، وأغواث، وعماس، أضيفت إلى
أيام التاريخ الاسلامي.
هـ أراجيز أضيفت إلى تراثنا الادبي.
و ـ معجزة نطق أطلال ويمينها بسورة البقرة.
37 الطبري 1 / 2327 ـ 2333 ط. أوربا.
38 السفار: المسافرون، الذهاب ((بكسر الذال)) جمع
الذهبة وهي الدفعة الغزيرة من المطر، والغوادي منها أمطار الغداة،
والمدجنات: الدائمة، وتجلجل، ترعد وجاءت بكسر اللام اقواء ويحسهم:
يقتلهم، وزحل: تنحى.
39 الاساود: جمع الاسود وهو الافعى الذكر.
40 ردم الثلمة أو الباب سدهما، والردم بمعنى السد،
وبثق النهر: كسر سده ليفيض منه الماء.
41 الطبري 1 / 2305 ـ 2338 ط. أوربا وط. مصر 4 /
120 ـ 133، وابن عساكر ترجمة القعقاع 1 / 517، وشرح قصيدة ابن عبدون،
وأنساب الخيل لابن الكلبي ص 111 ـ 112، والقاموس للفيروز آبادي،
ولسان العرب لابن منظور، وتاج العروس مادّة: ((طلل))، والاشتقاق لابن
دريد ص 171، وابن كثير 7 / 45.
42 ابن الاثير 2 / 345 ـ 377، وابن كثير 7 / 45،
وابن خلدون 2 / 308 و 315، وروضة الصفا 2 / 683 ـ 685.