بعد المعركة:

 وروى الطبري عن سيف أنَّه كان قد ثبت بعد الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة استحيوا من الفرار، فقصدهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين فكان قارن الفارسي بإزاء القعقاع، فقتله، أمّا الباقون فمنهم من قتل، ومنهم من فرّ فأرسل سعد القعقاع في طلب الفارّين.

 وروى أنَّ جرير بن عبداللّه البجلي قال يومئذ:

       أنا جريرٌ كنيتي أبو عمرو

                       قد نصر اللّه وسعد في القصرْ

 فأشرف عليه سعد وقال:

  وما أرجو بجيلة غير أنّي

                          أؤمّل أجرها يومَ الحسابِ

 فقد لقيتْ خيولهم خيولا

                        وقد وقع الفوارس في ضرابِ

 فلولا جمع قعقاعِ بن عمروٍ

                           وحمّالٍ للجّوا في الكذابِ

  هموا منعوا جموعكم بطعنٍ

                           وضربٍ مثل تشقيق الاهاب

  ولولا ذاك أُلفِيتم رَعاعاً

                            تشل جموعكم مثل الذُبابِ (43)

 هكذا روى سيف، وفي رواية ابن إسحاق عند الطبري بعد البيتين الاولين:

  وقد دلفتْ بَعرصَتهمْ فيولُ

                         كأنَّ زَهاءها إبل جراب (44)

 وليس فيها الابيات الثلاثة الاخيرة التي رواها سيف. حذف سيف في روايته البيت الثالث لما فيه من مدح بجيلة القحطانية وتصريح بأن بجيلة هي الّتي قابلت الفيول، وحذف سيف البيت الثالث وسجّل محلّه هذا البيت: ((وقد لقيت خيولهم خيولا...)). لانّه أراد أن ينسب معركة الفيلة إلى أبطاله الاسطوريين من تميم. ولهذا أضاف إليها ثلاثة أبيات فيها مدح القعقاع التميمي وحمال الاسدي المضريين، وذم بجيلة.

 وروى عن سيف أنَّه قال: لم يكن من قبائل العرب أحد أكثر امرأة يوم القادسية من بجيلة والنخع، وكان في النخع سبعمائة امرأة فارغة، وفي بجيلة ألف، فصاهر هؤلاء ألف من أحياء العرب وهؤلاء سبعمائة، وكانت النخع تسمى أصهار المهاجرين، وبجيلة، وإنما جرأهم على الانتقال بأثقالهم توطئة خالد... وأهل الايام، فلاقوا بأساً شديداً... فتزوج المهاجرون تلك النسوة بعد الفتح، وقبل الفتح حتّى استوعبوهن، وبقيت أروى ابنة عامر الهلالية هلال النخع، فخطبها بكير بن عبداللّه (45) وعتبة بن فرقد الليثي، وسماك بن خرشة الانصاري (46) وليس بأبي دجانة، فلما خطبوها، قالت لاختها هنيدة بنت عامر، وكانت تحت القعقاع بن عمرو التميمي: استشيري زوجك أيّهم يراه لنا، ففعلت، وذلك بعد القادسية، فقال القعقاع سأصفهم في الشّعر، فانظري لاختك، فقال:

    وإن كنت حاولت الدراهم فانكحي

                         سماكا أخا الانصار أو ابنَ فرقدِ

 وإن كنتِ حاولتِ الطعانَ فيمّمي

                        بكيراً إذا ما الخيل جالت عن الردي

 وكلّهم في ذروة المجدِ نازلٌ

                              فشأنكم إنَّ البيان عن الغد (47)

 وروى ابن حجر عن سيف أن عمر كتب الى سعد: أنبئني أي فارس كان أيام القادسية أفرس؟ فكتب إليه: إنّي لم أر مثل القعقاع بن عمرو! حمل في يوم ثلاثين حملة، يقتل في كلّ حملة بطلا!

 وكلّ ما ذكرناه تفرد به سيف! ويخالف ما أخرجه الطبري عن ابن إسحاق في حرب القادسية ورواية البلاذري في فتوح البلدان، والدينوري في الاخبار الطوال(48).

 مناقشة السند:

 في سند الحديث: محمّد والمهلب، ممن عرفناهم من مختلقات سيف ومجهولون لم نتأكد من أمرهم.

 نتيجة البحث:

 حرَّف سيف أبيات سعد القائد العام بما زاد فيها ونقص، فذم بجيلة القحطانية وجعل الفخر لمضر كما وضع أسطورة تأيّم سبعمائة وألف امرأة من قحطان، وتزوجهن برجال مضر، واستفاد من موهبته الادبية في وضع أبيات تؤيد حديثه! وضع حديث سؤال الخليفة عن أفرس محارب في القادسية، وجواب سعد بما يؤيد ما ذكره في يوم اغواث أن القعقاع حمل ثلاثين حملة على ثلاثين قطعة من المحاربين يقتل في كلّ حملة بطلاً آخرهم بزرجمهر، وهكذا يضع سيف رواياته بما يؤيد بعضها بعضاً.

 حصيلة الحديث:

 أ ـ بطولات وأبيات للقعقاع بطل تميم.

 ب ـ سبعمائة وألف زواج قحطانية برجال مضر.

 ج ـ شهادة سعد القائد العام عند الخليفة بأنَّ القعقاع التميمي كان أفرس بطل في القادسية.


43  الضراب: الاختلاف، وحمال: هو ابن حمال الاسدي أحد أبطال أساطير سيف. وتشل: تطرد.

44  ابل جراب كذا ولعلها ((عراب)) أي أصائل.

45  قد مضت قصته التي وضعها سيف.

46  من مختلقات سيف. تأتي ترجمته.

47  الردي: الهالك.

48  الطبري 1 / 2357 ـ 2364 ط. أوربا وط. مصر 4 / 136 ـ 143 وترجمة القعقاع من الاصابة وفتوح البلدان والاخبار الطوال في فتح القادسية.