في
جلولاء:
روى الطبري عن سيف أن الخليفة عمر أمر سعداً بأن
يرسل هاشماً إلى جلولاء، ويجعل على مقدمته القعقاع، وإن هزم اللّه
الفرس يجعل القعقاع على الحدود بين السواد والجبل، فلما انتهى هاشم
إلى جلولاء، وجد الفرس تحصنوا بخندق حفروه حولهم، وبثوا حوله حسك
الحديد، وكانوا لا يخرجون منها إلاّإذا أرادوا، وزاحفهم المسلمون نحو
ثمانين يوماً، ثمّ جعلوا لخيلهم وجهاً يخرجون منه إلى المسلمين، فزحف
القعقاع إلى باب خندقهم من ذلك الوجه. فأخذ به، وأمر منادياً فنادى:
يا معشر المسلمين! هذا أميركم قد دخل خندق القوم، وأخذ به، فأقبلوا
إليه، وإنما فعل ذلك ليقوي المسلمين، فحملوا، وهم لايشكون بأنَّ
هاشماً في الخندق، وإذا هم بالقعقاع بن عمرو قد أخذ به، فانهزم
المشركون يمنة ويسرة، فهلكوا فيما أعدوا من حسك الحديد، وقتل منهم
يومئذ مائة ألف، فجالت القتلى الارض، فسميت جلولاء بما جللت من
قتلاهم، ثمّ خرج القعقاع في آثارهم إلى خانقين، فأدرك سبياً من
سبيهم، وقتل مقاتلة من أدرك، وقتل مهران ثمّ أقبل إلى قصر سيرين على
رأس فرسخ من حلوان، فخرج إليه دهقان حلوان فقتل، واستولى المسلمون
على حلوان، ولم يزل القعقاع هناك على الثغر والجزاء إلى أن تحول سعد
من المدائن إلى الكوفة، فلحق به، واستخلف على الثغر، قباذ الخراساني.
وقال الحموي بترجمة جلولاء: نهر عظيم يمتد إلى
بعقوبا، ويجري بين منازل أهلها، وبها كانت الوقعة المشهورة على الفرس
للمسلمين سنة 16، فاستباحهم المسلمون، فسميت ((جلولاء الوقيعة)) لما
أوقع بها المسلمون، قال سيف: قتل اللّه عزّ وجلّ من الفرس يوم جلولاء
مائة ألف، فجلّلت القتلى المجال، فسميت جلولاء لما جلّلها من القتلى،
قال القعقاع بن عمرو:
ونحن قتلنا في جلولا أثابرا
ومهرانَ إذ عزّت عليه
المذاهبُ
ويوم جلولاء الوقيعة أُفنيتْ
بنو فارس لما حوتها الكتائب (50)
والشعر فيها كثير، إنتهى.
وقال في ترجمة حلوان: وكان قد فتح حلوان في سنة 19،
وفي كتاب سيف في سنة 16 وقال القعقاع بن عمرو التميمي:
وهل تذكرون إذ نزلنا وأنتمُ
منازل كسرى والاُمورُ
حوائلُ
فصرنا لكم رِدْءاً بحلوانَ بعدما
نزلنا جميعاً والجميع
نوازلُ
فنحن الاُلى فُزنا بحلوان بعدما
أرنَّتْ على كسرى الاما
والحلائل(51)
ولم يخرج الطبري حديث غير سيف في فتح جلولاء إلى
حلوان، وروى قصة الحرب خلافاً للواقع الذي ذكره الدينوري والبلاذري،
فقد ذكرا: أنَّ الزحف كان في يوم واحد، واقتتلوا يومهم ذلك كلّه إلى
الليل حتّى إذا اصفرّت الشمس أنزل اللّه على المسلمين نصره، وهزم
عدوَّهم، فقتلوهم إلى الليل، وأغنمهم اللّه عسكرهم، وذكر سيف أنَّ
المسلمين زاحفوهم نحو ثمانين يوماً، وذكر أن القعقاع عين على الثغر،
بينما ذكر أنَّ جرير بن عبداللّه البجلي عين على جلولاء في أربعة
آلاف فارس، وهو الذي فتح حلوان.
مناقشة
السند:
في سند الحديث محمد والمهلب وزياد ممن عرفناهم من
مختلقات سيف، وعبيد اللّه بن المحفز عن أبيه ويروي عنه سيف في الطبري
ستة أحاديث، والمستنير بن يزيد ويروي عنه في الطبري ثمانية عشر
حديثا، وبطان بن بشر ويروي عنه حديثا واحدا، وحماد بن فلان البرجمي
عن أبيه، ويروي عنه في الطبري حديثين ولم أجد لهم ذكرا عند غير سيف
ولست أدري أكان سيف جادا حين روى الحديث عن حماد بن فلان عن أبيه أم
كان هازلا!؟
نتيجة
المقارنة:
روي الطبري عن سيف في واقعة جلولاء وتسميتها وعدد
القتلى فيها مّا لم يذكره غيره، وأخرج الحموي بعض ذلك مع نزر من
الشعر الذي نسبه إلى القعقاع بترجمة جلولاء وقال: وفي كتاب سيف،
الشعر فيها وفي حلوان كثير، والطبري جريا على عادته لم يخرج تلك
الاشعار الكثيرة، وذكر الوالي على الثغر، والفاتح لحلوان القعقاع بن
عمرو التميمي المضري بينما جرير بن عبد اللّه البجلي القحطاني، هو
الفاتح لحلوان إلى قرمسين، ذكر جميع ذلك الطبري عن سيف، ومن الطبري
أخذ ابن الاثير وابن كثير وابن خلدون في تواريخهم.
حصيلة
الحديث:
أ - مكرمة للقعقاع في اقتحام خندق المشركين.
ب - قتل مهران.
ج - فتح حلوان.
د - ولاية على الثغر.
ه- مائة ألف قتيل يضاف إلى قتلى الفتوح الاسلامية.
50 أثابر ومهران تخيلهما سيف من قواد الفرس.
51 أرنَّتْ: رفعت صوتها بالبكاء.