في نهاوند:

لم نجد عند الطبري وغيره كيف تخيل سيف رجوع القعقاع وجيش الكوفة إلى العراق، وإنّما روي الطبري عن سيف في ذكر حرب نهاوند، أنّها وقعت في سنة ثماني عشرة وأنَّ الفرس كانوا متحصنين لا يخرجون إلاّ إذا أرادوا الخروج والمناجزة، وطال ذلك على المسلمين، فأرسل القائد العام النعمان بن مقرن القعقاع بن عمرو، وكان على المجردة، فأنشب القتال، فلمّا ناوشوه نكص، ثمّ نكص، فتبعوه، وابتعدوا عن حصنهم وخنادقهم، ولم يبق منهم إلاّ من يقوم لهم على الابواب، وكان المسلمون على تعبية، فلمّا أذن لهم أميرهم بالقتال اقتتلوا قتالا شديدا، وقتل من الفرس مّا طبق أرض المعركة دما يزلق الناس والدواب، فلمّا أظلم الليل عليهم أنهزم المشركون، وقد عمي عليهم قصدهم، فتركوه، وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا نزلوا دونه، فوقعوا فيه وكلّما وقع فيه أحد قال: (وايه خرد) فسمي الوادي ((وايه خُرْد)) إلى اليوم، فمات فيه مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل منهم في المعركة أعدادهم، ولم يفلت منهم غير الشريد، وفرَّ الفيرزان مع الشريد إلى همذان، فأدركه القعقاع في ثنية همذان، والثنية مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلا، فحبسه الدواب، فترجل، وصعد في الجبل فتبعه القعقاع وقتله، فسميت الثنية بذلك ((ثنية العسل)) وقال المسلمون ((للّه جنود من عسل)) ومضى الفلال حتّى انتهوا إلى مدينة همذان، وتبعهم المسلمون، وحووا مّا حول همذان، فلمّا رأى ذلك أهل همذان استأمنوا المسلمين فأجابوهم إلى ذلك وأمنوهم، فلمّا بلغ الخبر أهل الماهين بأنّ همذان قد أخذت، ونزلها نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو، اقتدوا باهل همذان، وطلبوا الامان، فأجابوهم إلى ذلك، وكتبوا لهم كتاب أمان شهد فيه القعقاع بن عمرو قال: وسمي هذا الفتح - أي فتح نهاوند - بفتح الفتوح.

هذه خلاصة مّا يرويه الطبري عن سيف في فتح نهاوند، ومن الطبري أخذ من جاء بعده، مثل ابن الاثير، أبن خلدون، وغيرهم.

أمّا الحموي فقد ذكر رواية سيف هذه موزعة في تراجم نهاوند و((وايه خرد)) و((ماهان)) قال في ترجمة نهاوند: (فسمّـاها المسلمون فتح الفتوح، فقال القعقاع بن عمرو المخزومي (54):

    رمى اللّه من ذم العشيرة سَادرا

                              بداهيةٍتبيض منها المقادِمُ

  فدع عنك لومي لا تلمني فانني

                            أحوط حريمي والعدوّ الموائمُ

 فنحن وردنا في نهاوند موردا

                      صدرنا به والجمع حرَّان واجم (55)

وقال أيضا:

  وسائل نهاوندا بنا كيف وقعنا

                          وقد أثخنتها في الحروب النوائب

وقال أيضا:

  ونحن حبسنا في نهاوند خيلنا

                               لِشَرِّ ليالٍ أُنْتِجتْ للاعاجم

 فنحن لهم بينا وعصل سجلها

                            غداةً نهاوند لاحدى العظائم

 ملانا شعابا في نهاوند منهم

                          رجالا وخيلا أُضرمتْ بالضرائم

 وراكضهن الفيرزان على الصفا

                          فلم ينجه منها انفساح المخارم(56)

وقال في ((وايه خرد)): (وايه خرد: واد قرب نهاوند، كانت عنده وقعة فتردى فيها العجم، فكان أحدهم إذا وقع فيها قال: وايه خرد، فسمّيت بهذا الاسم) كذا ذكره صاحب الفتوح، وقال القعقاع بن عمرو:

   ألا أبلغ أسيدا حيث سارت ويمّمت

                                  بما لقيت منا جموع الزمازمِ

  غداة هووا في ((واي خرد)) فأصبحوا

                                تعودهُمُ شُهُبُ النسورِ القشاعمِ

  قتلناهم حتّى ملانا شعابهم

                          وقد أُفعِم اللهبُ الذي بالصرائمِ (57)

وقد ذكرها في موضع آخر من شعره فقال:

   ويوم نهاوندٍ شهدتُ فلم أخِم

                           وقد أحسنتْ فيه جميعُ القبائلِ

  عشيةَ ولّى الفيرزان مُوايلا

                           إلى جبل آبٍ حذارَ القَواصلِ

 فأدركه منّا أخو الهيجِ والندى

                              فقطره عند ازدحام العواملِ

 وأشلاؤهم في ((واي خرد)) مقيمة

                       تَنوبُهُمُ عيس الذئاب العواسلِ (58)

وقال في ماهان: (والعرب تسميّها بالجمع فتقول الماهات) وقال القعقاع بن عمرو:

   جدعتُ على الماهات آنُف فارس

                            بكل فتى من صُلبِ فارسَ خارِدِ

  هتكتُ بيوتَ الفرس يومَ لقيتُها

                           وما كلُّ من يلقى الحروب بثائرِ

 حبست ركاب الفيرزان وجمعه

                               على فترٍ من جرينا غير فاترِ

 هدمتُ بها ((الماهات)) والدربَ بغتةً

                       إلى غايةٍ أخرى الليالي الغوابرِ (59)

وقال أيضا:

 هُمُوا هدموا ((الماهات)) بعد اعتدالها

                           بصحن ((نهاوند)) التي قد أمرت

  بكل قناة لدنةٍ برميّةٍ

                             إذا أكرهت لم تنثن واستمرتِ

 وأبيض من ماء الحديد مهنّد

                           وصفراء من نبعٍ إذا هي رَنّت (60)

هذا كلّه في رواية سيف، وفي رواية البلاذري والدينوري كان القائد الفارسي مروان شاه ذا الحاجب، وقال الدينوري في كيفية إخراج الفرس من خنادقهم: (إنّ عمرو بن مَعْديكرَب أشار على نعمان أنْ يشيع وفاة الخليفة ويرتحل بجميع من معه، ففعل ذلك، وتباشرت الاعاجم وخرجوا في آثار المسلمين فاقتتلوا...) الحديث.

روي الطبري أنّ غير سيف قال: افتتحت نهاوند سنة إحدى وعشرين. وقال سيف افتتحت سنة ثماني عشرة.

وذكر البلاذري عن مقتل القائد الفارسي: أنَّه سقط عن بغلته فانشق بطنه فمات، وذكر أنَّ فتح همذان كان على يد جرير البجلي القحطاني:

أمّا كلمة ((للّه جنود من عسل)) فالمشهور أنَّ معاوية قالها عندما اغتال مالك الاشتر الهمداني بالسم المداف بالعسل كما في ترجمة بعلبك من معجم البلدان، وقال ابن كثير في (7 - 312): إنَّ معاوية وعمرو قالا ذلك بعد قتل مالك بالسم، وفي الطبري (1 - 3242): إنَّ عمرو بن العاص قال ذلك بعد قتل مالك.

وبقية مّا ذكره سيف فانّه تفرد بروايتها وليس عند غيره شيء منها.

 مناقشة السند:

في سند الحديث محمد والمهلب ممن عرفناهم من مختلقات سيف و(عروة بن الوليد، وأبو معبد العبسي، عمّن حدثهم من قومهم) ولم

نجد لعروة وأبي معبد ذكرا في غير حديث سيف هذا، وكيف السبيل إلى معرفة ((من حدثهم من قومهم)؟

 نتيجة المقارنة:

بدّل سيف اسم القائد الفارسي، وحرَّف ذكر واقعة إخراج الفرس من خنادقهم، وغيّر سنة الواقعة ولعلّه واقعة ثنية العسل تغطيةً لفعل

معاوية المضري وقوله! ونسب فتح همذان إلى مضري بدل جرير البجلي القحطاني.

 حصيلة الحديث:

أ ـ مكرمة لبطل تميم في إخراج الفرس من خنادقهم.

2 ـ مائة ألف قتيل أو يزيدون في ((وايه خرد)).

ج ـ أعدادهم من قتلى المعركة فيبلغ عدد القتلى مائتي ألف.

د ـ اختلاق القائد الفيرزان.

هـ اختلاق معركة ثنية العسل مكرمة للقعقاع.

و ـ نسبة فتح همذان إلى بطل تميم وصاحبه المضري.

ز ـ أراجيز للقعقاع تضاف إلى ثروتنا الادبية.

ح ـ إضافة مكان اسمه ((وايه خرد)) في تراجم البلاد.

ط ـ إضافة مّا يزيد على مائة ألف قتيل إلى قتلى الفتوح الاسلامية.

ي ـ كتاب صلح يدرس في الوثائق السياسية.


54 هكذا في طبعة دار صادر، وأراها من غلط الناسخ، فانّ القعقاع صاحب فيرزان إنّما هو التميمي.

55 سادرا: غير متثبت في كلامه، والموائم: الموافق، والحران مبالغة من حرن أي وقف ولم يتحرك، والوجوم: السكوت من خوف أو غيظ.

56 البيت: فنحن لهم... كذا جاء ومعناه غامض.

57 الزمازم يقصد بها المجوس الذين يزمزمون عند الاكلّ، والقشاعم: جمع القشعم الضخمة المسنة، واللهب: الفرجة بين الجبلين، والصرائم: موضع.

58 أخم من خام: أي جبن، موايلا: طالب النجاة. آب: منيع. القواصل: القواطع، قطره: صرعه، والعوامل: الارجل.

59 الخادر: من صفات الاسد أي الساكن في أجمته.

60 أمرت صارت مرة، والـ (برمية) لعلّه شبه عود القناة في استحكامه بالحبل المبروم.