الخلاصة:
كان القعقاع بطل المسلمين في الفتوح، وذا رأيهم في
المكائد، وراجزهم في الحروب، ملا بطون الكتب ذكره وطبقت الخافقين
شهرته، وكانت نهاية أعماله مّا رواه الطبري عن سيف في حوادث سنة 34 -
35هانّ عثمان ولاّه الحرب على الكوفة، والكوفة كانت عاصمة القسم
الشرقي من البلاد الاسلامية، وعلى هذا فمرد حديث سيف أنَّه عيّنه
وزيرا للحرب على القسم الشرقي من البلاد الاسلامية، وبعد هذا كان رجل
الخير وسفير الاصلاح في الفتن عصر الصهرين كما يأتي.
في
الفتن:
روي الطبري عن سيف وقال: لمّا رأى القعقاع اجتماع
السبئية في مسجد الكوفة، وكانوا يريدون خلع عثمان، انقضّ عليهم
القعقاع وسألهم عن شأنهم فأخفوا أمرهم، وقالوا: نطلب عزل الوالي
سعيد، فقال القعقاع: أمّا هذا فنعم، ومنعهم من الجلوس في المسجد،
وروى
أنَّ مالك الاشتر لمّا استخف المفتونين وهيَّجهم
ليمنعوا الوالي سعيدا من دخول الكوفة، قام نائب الوالي عمرو بن حريث
وخطب فيهم ينصحهم وينهاهم، فقال له القعقاع: أتردُّ السيل عن عبابه،
فاردد الفرات، عن أدراجه، هيهات! واللّه لا تسكن الغوغاء إلا
المشرفية ويوشك أنّ تنتضى، ثمّ يعجون عجيج العبدان، ويتمنون ماهم
فيه، فلا يرده واللّه عليهم أبدا، فاصبر، فقبل ابن حريث نصحه وتحول
إلى داره (61).
وروى أيضا أنّ يزيد بن قيس لمّا استعوى الناس على
سعيد في المسجد وأخذ يتكلم على عثمان، فأقبل القعقاع وأخذه وقال له:
هل لك غير الاستعقاء شيء، فإنّا نفعل.
وروى أنّ عثمان لمّا حوصر، كتب عثمان إلى أهل الامصار
يستمدهم، فخرج القعقاع من الكوفة(62) ، وروي أنّ
المحاصرين لعثمان لمّا بلغهم تهيؤ أهل الافاق لنصرة عثمان، معاوية من
الشام، والقعقاع من الكوفة... الخ، شدَّدوا الحصار عليه فقتلوه،
فلمّا بلغ القعقاع خبر قتل عثمان، رجع ومن سار معه لاغاثة عثمان حتّى
دخل الكوفة.
وروى أيضا عن سيف: أنّ علي بن أبي طالب لمّا استقر
رأي أهل الكوفة على الذهاب معه إلى البصرة وثبطهم أبو موسى الاشعري
وكان يومذاك أميرا على الكوفة من قبل عثمان - ثار في وجه أبي موسى
زيد بن صوحان، وترادّا الكلام، فقام القعقاع فقال: اني لكم ناصح
وعليكم شفيق، احب أنّ ترشدوا، ولاقولنَّ لكم قولا هو الحقّ، أما ما
قال الامير فهو الامر لو أنّ إليه سبيلا، وأما ما قال زيد فزيد
في هذا الامر(63) فلا تستنصحوه (64)،
والقول: أنّه لا بد من إمارة تنظم الناس وتزعُّ الظالم وتعزُّ
المظلوم، وهذا علي يلي بما ولي، وقد أنصف في الدعاء، وإنّما يدعو إلى
الاصلاح، فانفروا وكونوا من هذا الامر بمرأى ومسمع (65).
وروى أنّ القعقاع كان من رؤساء أهل الكوفة الذين
التحقوا بعلي، وأنّه لمّا التحقوا بعلي في ذي قار، دعا علي القعقاع
بن عمرو، فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: إلقَ هذين الرجلين يا ابن
الحنظلية - قال سيف: وكان القعقاع من أصحاب النبي (ص) - فادعهما إلى
الاُلفة والجماعة، وعظّم عليهما الفرقة، وقال له: وكيف تصنع فيما
جاءك منهما وليس عندك وصاة؟ قال: نلقاهم بالذي أمرت به، فاذا جاء
منهما أمر ليس عندنا منك فيه رأي، اجتهدنا رأينا وكلَّمناهم على قدر
مّا نسمع ونرى أنّه ينبغي، قال علي: أنت لها فاخرج.
فلمّا ذهب القعقاع إليهم وكلمهم، قبلت أم المؤمنين
ووافق طلحة والزبير، وقالوا له: أحسنت وأصبت، وأشرف القوم على الصلح
(66)، فلمّا رجع القعقاع منهم بالصلح، قام علي
وخطب وقال في خطبته: ألا واني مرتحل غدا فارتحلوا، ولا يرتحلن معنا
من أعان على عثمان (رض) بشيء وليغن السفهاء عني أنفسهم... الخ.
فاجتمع السبئيون وتشاوروا، فأشار عليهم ابن سبأ
ينشبوا القتال ليلا دون علم غيرهم، وتقابل الجيشان، وأخبر علي وطلحة
والزبير رؤساء أصحابهم بما قرَّروا من الصلح، فباتوا على الصلح، فثار
السبئيون بالغلس وأنشبوا القتال بين الجيشين دون علم غيرهم.
وقع القتال، ومرَّ القعقاع في نفر بطلحة وهو يقول:
إليَّ عباد اللّه الصبر الصبر! فقال له: يا أبا محمد انك لجريج، وانك
عما تريد لعليل، فادخل الابيات.
وقال القعقاع للاشتر يؤلبه يومئذ: هل لك في العود؟
فلم يجبه، فقال: يا أشتر! بعضنا اعلم بقتال بعض منك، (67)
فحمل القعقاع وهو يرتجز ويقول:
إذا وردنا آجنا جهرناه (68)
ولا يطاق وردُ مّا
منعناه
وروي أنّ آخر من قاتل ذلك اليوم زفر بن الحارث، فرحف
إليه القعقاع، فلم يبق حول الجمل عامري مكتهل إلاّ اُصيب، يتسرعون
إلى الموت، فأمر القعقاع بالجمل فعقر، وقال لمن يليه: أنتم آمنون،
ثمّ قطع هو وزفر بطان البعير، وحملا الهودج فوضعاه على الارض، ثمّ
أطافا به، وفر من وراء ذلك الناس، فوضعت الحرب أوزارها وكان هذا بفضل
القعقاع المضري ثمّ التميمي العمري، فإلى تميم ينتهي الفخر في الجمل
أوّلا وآخرا.
وروى الطبري عن سيف محاورة بين القعقاع وعائشة أم
المؤمنين، فقالت: واللّه لوددت أنّي متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة،
وان عليّا
أيضا قال كذلك، فكان قولهما واحدا.
وروى أنّ عليّا أرسل القعقاع إلى رجلين كان أحدهما
أنشد على باب دار عائشة: جزيت عنا أمنا عقوقا!
وقال الاخر: يا أمنا توبي فقد خطئت!
وأمره أنّ يضرب أعناقهما. ثمّ قال لانهكنَّهما عقوبة!
ثمّ ضربهما مائة مائة وجرّدهما من ثيابهما(69).
* *
*
كان هذا موجز مّا رواه الطبري عن سيف في واقعة الجمل
وسوابقها وموقف القعقاع فيها، ومن الطبري أخذ ابن الاثير، وابن كثير،
وقال: ذكر سيف بن عمرو - إلى قوله - هذا ملخص ما ذكره أبو جعفر، وابن
خلدون، وقال: هذا أمر الجمل ملخصا من كتاب أبي جعفر الطبري (70)...
ومنه ـ أيضا ـ أخذ غيرهم مثل ميرخواند في روضة
الصفا.
ويحتاج
كشف زيفها إلى تفصيل يضيق عنه المقام، وقد ذكرنا قسما مهما من ذلك في
فصل ((عصر الصهرين)) من كتاب ((أحاديث أم
المؤمنين عائشة)) ونخرج منه هاهنا شيئا يسيرا ليكشف عن جانب من تحريف
سيف للواقعة:
61 الطبري ط. أوربا 1 / 2928 و 2936 و 2950 و 3058
وط. مصر 5 / 92 و 96 و 148.
62 الطبري ط. أوربا 1 / 2958 ـ 2960 وط. مصر 5 /
105 و 106.
63 الطبري ط. أوربا 1 / 3009 ـ 3013 و 3088 وط. مصر
5 / 126 ـ 128 و 162.
64 يعد سيف بن عمر زيد بن صوحان من أفراد السبئية
في القصة التي اختلقها، لذلك وصفه على لسان القعقاع هكذا.
65 الطبري ط. أوربا 1 / 3149 ـ 3150، وط. مصر 5 /
188 ـ 189.
66 الطبري ط. أوربا 1 / 3156 ـ 3158.
67 قصد بذلك: انّ النزارية علي وطلحة والقعقاع أعلم
بقتال البعض من اليمانيين الذين منهم مالك الاشتر.
68 جهر البئر: نقاها أو نزحها - القاموس.
69 الطبري ط. أوربا 1 / 3156 ـ 3226 وط. مصر 5 /
200 ـ 223.
70 ابن الاثير 3 / 170 ـ 217، وابن خلدون 2 / 425،
وابن كثير 7 / 167 ـ 246، وروضة الصفا 2 / 270، وشرح نهج البلاغة 1 /
161.