العفو العام

ثمّ نادى منادي عليّ ((ألاّ يجهز على جريح، ولا يتبع مولٍّ، ولا يطعن في وجه مدبر، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ثمّ آمن الاسود والاحمر))... الحديث (83).

روي الطبري (84) وقال: ((واحتمل محمد بن أبي بكر عائشة، فضرب عليها فسطاطا، فوقف علي عليها فقال لها: استفززت الناس وقد فزُّوا، فألَّبت بينهم حتّى قتل بعضهم بعضا... في كلام كثير))، ولم يذكر الطبري الكلام الكثير.

وفي مروج الذهب قال لها: رسول اللّه أمرك بهذا؟! ألم يأمرك أنّ تقرّي في بيتك؟ واللّه مّا أنصفك الذين صانوا عقائلهم وأبرزوك! في الطبري: فقالت عائشة: يا ابن أبي طالب ملكت فاسجح، نِعمَ مّا أبليت قومك اليوم! وروي الطبري أنّ عمّار بن ياسر قال لها حين فرغ القوم: يا أم المؤمنين مّا أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك! قالت: أبو اليقظان! قال: نعم، قالت: واللّه إنك - مّا علمت - قوَّال بالحق، قال ((الحمد للّه الذي قضى لي على لسانك))(85).

 مناقشة السند:

في سند حديث سيف عن الفتن محمد والمستنير ممّن سبق ذكرهما من مختلقات سيف.

وقيس بن زيد النخعي ويروي عنه ثلاثة أحاديث في تاريخ الطبري، وجرير ابن أشرس ويروي عنه حديثين في تاريخ الطبري.

وابن صعصعة أو صعصعة المزني، ومخلد بن كثير ويروي عن كلّ منهم حديثا واحدا.

ولم نجد لاحدهم ذكرا عند غير سيف.

و ((شيخ من بني ضبة)) و((رجل من بني أسد)) ويكف السبيل إلى معرفتهما؟

 نتيجة المقارنة:

خالف سيف الرواة في مّا ذكر عن الفتن في عصر عثمان، وما اختلق من أساطير، وما نسب إلى بطل أُسطورته القعقاع من عمل، فهو الذي نفّر الناس من الكوفة عند سيف، بينما أجمع المؤرخون أنّ ذلك كان من عمل الحسن بن علي سبط الرسول وعمار بن ياسر ومالك الاشتر.

وذكر سيف: انّ الامام بعثه سفيرا للاصلاح، بينما المبعوث ابن عباس وابن صوحان.

وذكر أنّ أهل الجمل قبلوا الصلح، بينّما هم أبوا ذلك وأنكروه أشد الانكار.

وتفرَّد بذكر مجلس شورى السبئية، وأنَّ (ابن سبأ) اليماني جمع شياطينه في الليل وائتمروا فيّما يعملون، وفند الشيخ السبائي (عبداللّه بن السوداء) رأيهم فردا فردا، ثمّ أشار عليهم بالرأي والصواب أنّ يندسوا بين الجيشين ويثيروا الحرب في الغلس دون علم غيرهم، وينفضّ المؤتمر على هذا، وجعل سيف من هذا المؤتمر نظيرا لمؤتمر كفار قريش في دار الندوة، وتفنيد الشيخ النجدي - الشيطان - رأي المؤتمرين في قتل الرسول فردا فردا وأشار عليهم بالرأي المقبول، غير أنّ المؤتمرين هناك لم ينجحوا ولم ينجح الشيخ النجدي، ونجح المؤتمرون هنا ونجح الشيخ السبائي، ووقعت الحرب بإثارة منهم دون علم الامام وأم المؤمنين وطلحة والزبير، فعلى هذا السبائي اليماني تقع أوزار هذه الحرب وأوضارها، وليذهب قحطان بعارها وشنارها أبد الدهر!!!

هكذا يروي سيف، بينما نجد الامام يرسل الفتى يدعوهم إلى القرآن فيمثلون به ويقتلونه وهو يحمل القرآن، وما ذكر عن نكوص الاشتر عن الحرب، فذلك مالا يحتاج إلى تفنيده.

وذكر أنّ القعقاع هو الذي أنهى الحرب حين أمر بعقر الجمل، بينما الامام هو الذي أمر بذلك، وذكر أنّ القعقاع أصدر العفو عنهم وقال

لهم: أنتم آمنون، بينما ذلك قول الامام كما ينبغي أن يكون، فانّه هو الامير، وذكر في بعض رواياته أنّ القعقاع وآخر معه حملا الهودج

ونحَّياه، بينما الامام أمر أخاها محمدا بذلك، ثمّ ذكر عن الامام وأم المؤمنين أقوالا تخالف مّا ذكره غيره.

 حصيلة الحديث:

لم يذكر في أحاديث سيف لاحد الاثَر المحمود في إخماد الفتن كبطل الاسطورة القعقاع، فإنّه هو الذي منع السبئيين من التجمُّع في مسجد الكوفة، واطفأ النائرة بينهم وبين خليفة الوالي في يومه، وهو الذي ذهب على رأس جيش لنجدة الخليفه المحصور، فبلغه نبأ قتله في الطريق ورجع، وهو الذي حكم في مّا اختلف فيه أهل الكوفة والوالي وكان قوله الفصل، ونفَّر أهل الكوفة للالتحاق بالامام فأطيع، وهو الذي اعتمد عليه الامام ليقوم بدور الاصلاح، فوفق ، وانتهى أمر الاُمة إلى الصلاح لولا فتنة السبائي اليماني! وهو الذي أنهى الحرب لمّا أمر بعقر الجمل، وهو الذي أصدر العفو وآمن أصحاب الجمل وقال لهم: أنتم آمنون، وهو الذي حمل هودج أم المؤمنين، هذه المفاخر جميعها تعود إلى تميم، وبطلها القعقاع، وجميع التفن مصدرها السبئية اليمانية!!!

 الخاتمة:

إلى هنا ينتهي مّا وصل إلينا من سيف فيّما اختلق من بطولات وشعر ومواقف لبطل تميم الاسطوري القعقاع بن عمرو، ولم نجد له ذكرا بعد ذلك غير مّا روى الطبري عن سيف في ذكره شدة القتال يوم الجمل أنّ القعقاع قال: (مّا رأيت شيئا أشبه بشيء من قتال القلب يوم الجمل بصفين، لقد رأيتنا ندافعهم بأسنّتنا، وتتكئ على أزجتنا، وهم مثل ذلك، حتّى لو أنّ الرجال مشت عليها لاستقلت بهم).

إذن فإنّ سيفا يلّوِح أنّ البطل قعقاعا أدرك حرب صفين إذ شبَّه بها حرب الجمل، وأكثر من هذا لم نجد لسيف حديثا يذكر فيه مواقف لبطله الاسطوري بصفين وغير صفين.

ويذكر عن نهاية أيامه مّا رواه الطبري في ذكر حوادث سنة 11ه، حيث روى: أنّ معاوية بعد عام الجماعة - عام صلح الامام الحسن مع معاوية - كان يخرج من الكوفة المستغرب في أمر علي وينزل مكانه المستغرب في أمر نفسه، من أهل الشام والبصرة والجزيرة، وانّهم هم الذين يقال لهم: النواقل في الامصار، فأخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو بن مالك إلى إيليا بفلسطين، ونقل بني تغلب الذين كانت فيهم سجاح المتنبئة، واسكنهم منازل القعقاع وبني أبيه بني العقفان بالكوفة.

وبعد هذا كله يحق للشيخ الطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن المتوفي (460ه) أنّ يذكر اسم القعقاع في (رجاله) ضمن أصحاب أمير المؤمنين علي ويقول مرة: ((اسمه القعقاع)) وأخرى ((القعقاع بن عمير التميمي)) دونما أي تعريف أكثر من هذا!!

ومن الطوسي أخذ من جاء بعده كالاردبيلي المتوفي سنة (1101ه) في جامع الرواة، والقهبائي (ت أوائل ق 11) في مجمع الرجال،

والمامقاني في تنقيح المقال. قال المامقاني في تنقيحه: (القعقاع... عنونه الشيخ (رض) في باب أصحاب علي7 من رجاله مرتين: تارة مجردا، وأخرى بزيادة (ابن عمير التميمي) ولم يتبين لنا حاله، اتحد او تعدد، وسمّى الشيخ والد القعقاع هذا ((عميرا)) سماه ابن عبد البر وابن الاثير ((عَمْرا))، ولعله الصواب. وفي أُسد الغابة: إنّ للقعقاع هذا أثرا عظيما في قتال الفرس في القادسية وغيرها، وكان من أشجع الناس وأعظمهم بلاء، وشهد مع علي الجمل وغيرها من حروبه...) الحديث.

وقال الزبيدي (ت 1205ه) في مادة (قعّ) من تاج العروس ((القعقاع بن عمرو التميمي أورده سيف في الصحابة)).


83 اليعقوبي 2 / 183 في تاريخه، والكنز 6 / 83 ـ 85، والاغاني 16 / 127، راجع أحاديث عائشة للمؤلف ص 173 ـ 257.

84 الطبري ط. مصر 5 / 204، والعقد الفريد 4 / 328، واليعقوبي في تاريخه 2 / 183، والمسعودي 2 / 367.

85 الطبري ط. مصر 5 / 225، وابن الاثير 3 / 102، وأنساب الاشراف 1 / 167.