بحُوث تمهيديّة ـ 1 ـ
الاهتداء
إلى شخصيات إسلامية أُسطورية في أحاديث سيف . من هو سيف؟
الزندقة في عصر سيف والعصبية: النزارية واليمانية.
بينما
كنت أراجع فصول ((عبداللّه بن سبأ)) أثناء طبعه للمرّة الاُولى عام
1375ه، تبين لي انتشار أساطير كثيرة في مصادر التاريخ الاسلامي
مضافاً إلى أسطورة ((ابن سبأ والسبئية))، وشككت في وجود كثير من
أبطال التاريخ الاسلامي، وكان بين بعضها والاسطورة السبئية ترابط
عضوي، فتوقفت عن طبع الكتاب برهة طويلة لمواصلة البحث، وإذا بي أهتدي
إلى زيف كثير من الشخصيات الاسلامية التاريخية من صحابة وتابعين،
وقادة فتوح، وشعراء، ورواة للحديث الشريف، وإلى زيف كثير من الامكنة
التي ترجمت في الكتب البلدانية، وتحريف عجيب في سني الحوادث
التاريخية، فعدلت عن إتمام طبع بحث ((عبداللّه بن سبأ)) إلى نشر بعض
تلك الاساطير والاشارة في الكتاب إلى بعض أولئك الابطال الاسطوريين،
وبهذا ختمت الكتاب وأنهيت طبعه وسميته ((عبداللّه بن سبأ ـ المدخل)).
وبعد إصداره انصرفت إلى البحث والتنقيب في المصادر المخطوطة
والمطبوعة عن أولئك الابطال الاسطوريين، حتّى إذا وفّقني اللّه إلى
إنجاز البحث عن عدد من أبطال الاساطير المختلقة، وكان فيهم عدد كبير
من الصحابة وغيرهم، قدَّمت نشر فصل الصحابة على غيره، واخترت منه
خمسين ومائة ترجمة للنشر، وسميته ((خمسون ومائة صحابي مُختلق)) وهو
هذا الكتاب، وكتاب ((عبداللّه بن سبأ)) مدخل لهذا البحث.
* *
*
وجدنا في كتاب ((عبداللّه بن سبأ ـ المدخل)) أسطورة
ابن سبأ من نسج خيال سيف بن عمر التميمي الاُسيدي من بطن أُسيد بن
عمرو بن تميم. وفي هذا الكتاب نجد أنَّ جميع من نذكره من الابطال
الاسطوريين أيضاً مِن نسج خيال سيف بن عمر، ووجدنا العلماء في كتاب
(عبداللّه بن سبأ) يقولون في ترجمة سيف: إنَّه بغدادي كوفي الاصل،
ضعيف الحديث، متروك الحديث، ليس بشيء، يروي الموضوعات عن الاثبات،
اتهم بالزندقة، وألف كتاب ((الفتوح والردة)) و ((الجمل ومسير علي
وعائشة)) وتوفي بعد سنة 170ه، في خلافة الرشيد(4) .
يهمنا فيما ذكروا بترجمته أربعة أمور:
1 ـ إجماعهم على أنه كان وضّاعاً للحديث، وهذا ما
سندرسه في فصول هذا الكتاب إن شاء اللّه.
2 ـ تأليفه كتاب ((الفتوح والردة)) وكتاب ((الجمل
ومسير عليّ وعائشة)) وهذان الكتابان أصبحا من أهم مصادر التاريخ
الاسلامي حتّى يومنا الحاضر، كما سنوضّح ذلك في البحوث الاتية.
3 ـ تحديد عصره بما ذكروا من وفاته في خلافة الرشيد
وبعد عام 170ه. ويهدينا إلى تحديد عصره مضافاً إلى ما ذكروا أمران:
أ ـ نقل أبي مخنف لوط بن يحيى المتوفي عام 157هعن
فتوحه ما يدل على انتشار كتابه قبل هذا التاريخ (5).
ب ـ إنّا وجدنا أحاديثه طافحة بمدح الامويين
والتغنّي بأمجادهم واختلاق أساطير كثيرة لنشر فضائلهم ومناقبهم، وخلو
أحاديثه من
ذكر العباسيين في قليل أو كثير، وهذا يدلنا على أن
أحاديثه وضعت قبل العصر العباسي وفي أخريات العهد الاموي، أي في
الربع الاول من القرن الثاني الهجري فإن أوائل العهد العباسي كان عصر
التقتيل الجمعي للامويين والفتك بهم وبأنصارهم ونبش قبورهم وهدم
دورهم، ولم يكن عصر اختلاق أمجاد لهم وثلب مناوئيهم من كبار الصحابة
والتابعين، كما هو شأن أحاديث سيف وأساطيره كما سنرى في ما يأتي:
ونرى في بعض أحاديث سيف ـ مضافاً إلى ما ذكرنا ـ
أيضاً دَلالة واضحة على عصر وضع الحديث كالحديث الاتي الذي رواه
الطبري في ذكر مسير يزدجرد إلى خراسان من حوادث سنة 22ه(6)،
قال:
((لما انهزم أهل جلولاء خرج يزدجرد يريد الرَّي ـ
وكان ينام في محمله والبعير يسير به ولا يعرسون (7)
ـ فانتهوا به إلى مخاضة
وهو نائم في محمله، فانبهوه ليعلم ولئلاّ يفزع إذا
خاض البعير فعنّفهم، وقال ((بئسما صنعتم! واللّه لو تركتموني لعلمت
ما مدة هذه الاُمّة، إنّي رأيت: أني ومحمّداً تناجينا عند اللّه فقال
له: إملكهم مائة سنة، فقال زدني، فقال عشراً ومائة سنة، فقال: زدني،
فقال: عشرين ومائة سنة، فقال: لك، وأنبهتموني فلو تركتموني لعلمت ما
مدة هذه الاُمة..؟)).
نقف عند هذا الحديث قليلاً لنناقشه ثمّ نبيّن وجه
دلالته على عصر وضعه.
أ ـ يقول سيف : إنَّ كسرى قال: ((بئسما صنعتم
واللّه))، وكسرى كان مجوسياً، والمجوس ثنويون لا يعرفون اللّه ولا
يحلفون به، وإنما يؤمنون بـ ((أهورامزدا)) ويمينهم بالنار المقدسة
والشمس والقمر، واليمين باللّه معروفة عند المسلمين الذين عاش سيف
بينهم.
ب ـ إنَّ كسرى لم يكن مؤمناً بصدق محمّد (ص) ولم يكن
يراه أهلاً اَن يناجيه عند ربّه. نعم إنَّ الحديث يدل على بيئة سيف
الاسلامية، ويدل على خيال سيف ورأيه في الاسلام. بينا
المسلمون يؤمنون ببقاء الاسلام أبد الدهر، يرى سيف أن أمده محدود،
ويضع على لسان كسرى أنه قال: ((لو تركتموني لعلمت ما مدة هذه
الاُمة)) ولعله كان يرى انقراض الاُمة الاسلامية بسبب ما كان يعلمه
من نشاط الزنادقة المحموم في سبيل هدم الاسلام، أو بفعل الغزوات
الخارجية من روم وغيرهم، وعلى أي حال إنَّ صاحب هذا القول لا يرى
للاسلام بقاء؟! ولا يثق ببقائه أكثر مما عاش ليتنبأ به، ولهذا نرى أن
في وقوفه عند حدّ العشرين بعد المائة في المناجاة المفتعلة إشعاراً
بعصر وضع الحديث.
خلاصة
البحث:
قد يحدّد لنا ما يلي عصر نشاط سيف:
أ ـ رواية أبي مخنف المتوفى سنة 157هعنه فإنَّها تدل
على تقدم نشاط سيف على هذا التاريخ.
ب ـ إستهتاره بالتغنّي بأمجاد الامويين والدفاع
عنهم، وخلوّ أحاديثه من ذكر العباسيين يدل على أن تلك الاحاديث وضعت
قبل
أوائل العصر العباسي عصر التقتيل الجمعي للامويين
والتنكيل بأشياعهم.
ج ـ وقوفه في تحديد عمر الاُمة الاسلامية عند
العشرين بعد المائة في حديث المؤتمر الذي عقده بين اللّه والنّبِيّ
وكسرى يدل على أن الحديث وضع قبل هذا التاريخ وإلاّ لما وقف سيف عنده
(8).
يدلُّنا مجموع ما ذكرنا على أن عصر نشاط سيف الادبي
ووضعه للاساطير التاريخية كان أوائل القرن الثاني الهجري، ولا ينافيه
ما
تفرد المزي بقوله. إنه توفي بعد عام 170ه، وما ذكره
الذهبي من أنه توفي في عهد الرشيد، وإن صـحّ ما ذكرا فإنه يدلّ على
أن سيفاً عاش بعد تأليفه أربعين عاماً أو خمسين.
* *
*
عصر
سيف:
وإذا عرفنا أنَّ عصر نشاط سيف الادبي كان في الربع
الاول من القرن الثاني الهجري وعرفنا أنَّه كان من تميم إحدى قبائل
مضر، وأنَّه كان يسكن الكوفة وموطنه العراق؛ تيسرت لنا دراسة بيئته
لتحليل شخصيته ومعرفة ميوله ودوافعه في وضع كلّ تلك الاساطير.
عمّت في عصر سيف العصبية القبلية جميع البلاد
الاسلامية كما سيأتي ذكره، وانتشرت بالاضافة إليها الزندقة بخاصة في
وطنه (العراق). ولا بُدّ لنا من دراستهما إذا أردنا أن ندرس بيئته
الفكرية والاجتماعية. ونبدأ بدراسة الزندقة في الفصل الاتي لانه
بالاضافة إلى شيوعها في بلده وجدنا العلماء ينعتونه بها، وكان هذا
الخامس مما أهمنا في ما ذكروا بترجمته، ثمّ ندرس العصبية بعد ذلك إِن
شاء اللّه تعالى.
4 راجع عبد اللّه بن سبأ فصل ترجمة سيف بن عمر.
5 نقل الشيخ المفيد (ت: 413ه)، في كتابه
(الجمل) ص 47، عن كتاب أبي مخنف حرب البصرة، أنه روى عن سيف بن عمر
عن محمد بن عبد الله بن سواد وطلحة بن الاعلم وأبي عثمان أجمع،
قالوا: ((بقيت المدينة بعد قتل عثمان خمسة أيام، وأميرها
الغافقي...)) وهذه الرواية بسندها ومتنها نقلها الطبري عن سيف في 5 /
155 من تاريخه، والطبري ينقل أحاديث سيف من كتابيه: الفتوح والجمل.
ورواية أخرى أيضا ينقلها المفيد عن كتاب أبي مخنف عن سيف في ص
48 من كتابه (الجمل). وفي نقل أبي مخنف عن سيف دليل على تقدم نشر
كتاب سيف على تاريخ وفاة أبي مخنف عام 157 ه.
6 الطبري / ط. أوربا 1 / 2681، وطبعة مصر 4 /
264.
7 التعريس: نزول المسافر للاستراحة آخر الليل.
8 ساعدتنا على هذا الاستنتاج دراساتنا
المستفيضة لاساليب سيف في وضع الحديث.