بحوث
تمهيدية
ـ 2 ـ
1
ـ الزندقة والزنادقة:
الزنديق كلمة فارسيّة الاصل. قال المسعودي في
مروجه: سمّي زرادشت كتابه (أوستا)
Ehen659Awesta
ا (9)
وكتب
له تفسيراً سمّـاه بالزند
، ومن ثَمَّ سمّى الفرس كلّ من أتى في شريعتهم
شيئاً
مخالفاً لكتابهم المنزل أو عدل إلى التأويل بـ (زندي) أي المنحرف
من ظاهر الكتاب إلى التأويل المخالف للتنزيل، ولهذا نعتوا ماني
الذي ظهر في أيام بهرام الملك الفارسي (240 ـ 277م) مع جماعته بـ
(زندي) أي المنحرف ثمّ أخذت العرب هذه الكلمة وعربتها وقالت
(زنديق) وصارت عندهم اسماً للمانوية وقيل لاتباع ماني (زنادقة) (10).
ويرى بعض المستشرقين: أنّ كلمة زنديق قد يكون
أصلها: ((صدّيق)) بتشديد الدال، واحد ((الصديقين)) (11)،
فصارت بالفارسية ((زنديك)) ثمّ عربت على ((زنديق))(12).
كان هذا ما اخترناه من رأي الباحثين في أصل الكلمة
بالفارسية، وفي العربية أُطلقت ابتداء على جماعة ماني القائلين بأن
للعالم أصلين أزليين هما: النور والظلمة، ولذلك قيل لهم أيضاً:
(الثنوية) ثمّ أُطلقت على الدهرية منكري وجود اللّه والنبوّات
والكتب المنزلة، والقائلين بقدم العالم، وإنكار الحياة الاخرة وما
فيها، ثمّ أطلق على كلِّ منكر لاصل من أصول العقيدة أو على كلِّ
رأي يؤدِّي إلى ذلك، وانتهى الامر أخيراً إلى أن يطلق على كلِّ من
يكون مذهبه مخالفاً لمذهب أهل السنة، ثمّ أطلق على كلّ من يحيا
حياة المجون من الشعراء والكتاب ومن شاكلهم(13)(14).
2
ـ الزندقة والزنادقة في مصادر رسمية:
لعلَّ أقدم نص رسمي إسلامي في تعريف الزندقة هي
وصية الخليفة المهدي لابنه موسى ولي عهده من بعده حين قال له ـ وقد
قدم إليه زنديق فاستتابه فأبى أن يتوب، فضرب عنقه وأمر بصلبه.
((يا بني! ان صار لك هذا الامر ـ يعني الخلافة ـ
فتجرَّد لهذه العصابة ـ يعني أصحاب ماني ـ فإنها فرقة تدعو الناس
إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للاخرة، ثمّ
تخرجها إلى تحريم اللحم ومس الماء الطهور، وترك قتل الهوام تحرجاً
وتحوباً، ثمّ تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين: أحدهما النور، والاخر
الظلمة، ثمّ تبيح بعد هذا نكاح الاخوات والبنات، والاغتسال بالبول،
وسرقة الاطفال من الطرق، لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور.
فارفع فيها الخشب، وجرِّد فيها السيف، وتقرب بأمرها إلى اللّه
لاشريك له، فاني رأيت جدك العباس في المنام قلدني بسيفين، وأمرني
بقتل أصحاب الاثنين)(15).
فلما ولي موسى الخلافة بعد أبيه قال بعد مضي عشرة
أشهر من خلافته: ((أما واللّه لئن عشت لاقتلنَّ هذه الفرقة كلها،
لا أترك منها عيناً تطرف)).
ويقال: إنه أمر أن يهيأ له ألف جذع ليصلبهم عليها
في وقت حدده لذلك، ولكنه توفي قبل ذلك (16).
ووصيّة أخرى له يرويها الطبري، قال: لما جيء إليه
بابن داود بن علي العباسي، ويعقوب بن الفضل الحارثي من آل الحارث
بن
عبدالمطلب فأقرّا له بالزندقة، أما يعقوب فقال له:
أقرُّ بها بيني وبينك، فاما أن أُظهر ذلك عند الناس فلا أفعل ولو
قرضتني بالمقاريض، فقال له: ويلك! لو كشفت لك السموات وكان الامر
كما تقول، كنت حقيقاً أن تعصب لمحمّد، ولولا محمّد (ص) من كنت؟ هل
كنت إلاّ إنساناً من الناس؟ أما واللّه لولا إنّي كنت جعلت للّه
عليّ عهداً إذ ولاّني هذا الامر ألاّ أقتل هاشمياً لما ناظرتك
ولقتلتك، ثمّ التفت إلى موسى الهادي فقال: يا موسى، أقسمت عليك
بحقّي إن وليت هذا الامر بعدي ألاّتناظرهما ساعة واحدة، فمات ابن
داود في الحبس، وبقي يعقوب حتّى مات المهدي، فأرسل الهادي إلى
يعقوب من ألقى عليه فراشاً، وأقعدت الرجال عليه حتّى مات.
وأقرّت زوجته وبنت له بالزندقة، ووجدت البنت حبلى
فأقرت أنّها حامل من أبيها، ثمّ ضرب على رأسيهما بشيء فزعتا منه
فماتتا (17).
ولما انتهى المهدي عام 163هعند مسيره إلى دابق، من
نواحي الموصل، لحرب الروم في الصائفة، بعث عبدالجبار المحتسب لجلب
من بتلك الناحية من الزنادقة، فقتل جماعة منهم وصلبهم، وأتى بكتب
من كتبهم فقطعت بالسكاكين(18)، ونجد بعد هذا عند
الطبري في ذكر حوادث عام 168 قوله: وفيها مات عمر الكلواذي صاحب
الزنادقة، وولي مكانه حمدويه وهو محمّد بن عيسى من أهل ميسان،
وفيها قتل المهدي الزنادقة ببغداد (19).
وحدَّث المسعودي في مروجه عن عصر المأمون وقال:
بلغ المأمون خبر زنادقة من أهل البصرة، فأمر بحملهم إليه، فلما
جمعوا، نظر إليهم طفيلي وحسبهم دُعوا إلى وليمة، فدخل في وسطهم
حتّى إذا سار بهم الموكلون إلى زورق في النهر قال الطفيلي: نزهة
لاشك فيها، وركب معم الزورق، فما كان أسرع ماجيء بالقيود، فقيد
القوم وقيِّد الطفيلي معهم، فقال: بلغت من تطفلي إلى القيود، وسأل
القوم: من أنتم؟ فقالوا: ومن أنت؟ أمن إخواننا؟ قال: واللّه لا
أدري غير أنِّي رجل طفيلي، وخرجت من منزلي اليوم فلقيتكم، فقلت:
اجتمعوا لوليمة، فدخلت في وسطكم حتّى صرتم إلى الزورق، فقلت: نزهة
يمضون إليها وإلى بعض البساتين، إنَّ هذا اليوم يوم مبارك، فابتهجت
سروراً، إذ جاء هذا الموكلّ بكم فقيدني معكم، فأخبروني ما الخبر؟
فضحكوا منه وقالوا: الان قد دخلت في الاحصاء وأوثقت في الحديد،
وأما نحن فمانية غُمز بنا إلى المأمون، وسندخل إليه ويسائلنا عن
أحوالنا ويستكشفنا عن مذهبنا ويدعونا إلى التوبة والرجوع عنه
بامتحاننا بضروب من المحن، منها إظهار صورة ماني لنا، ويأمرنا أن
نتفل عليها ونتبرأ منها، ويأمرنا بذبح طائر ماء الدرج (20)
فمن أجابه إلى ذلك نجا، ومن تخلف عنه قتل، فإذا دعيت وامتحنت فأخبر
عن نفسك واعتقادك يخل عنك، وزعمت أنك طفيلي، والطفيلي يكون معه
أخبار حسان، فاقطع سفرنا هذا بشيء من الحديث وأخبار الناس، فلما
وصلوا إلى بغداد وأُدخلوا على المأمون جعل يدعوهم بأسمائهم رجلاً
رجلاً، فيسأله عن مذهبه، فيخبره بالاسلام، فيمتحنه ويدعوه إلى
البراءة من ماني، ويظهر له صورته ويأمره أن يتفل عليها، والبراءة
منها وغير ذلك فيأبون، فيمرهم على السيف حتّى بلغ إلى الطفيلي بعد
أن استوعب عدة القوم، فسأل المأمون الموكلين عنه، فقالوا: ما ندري.
غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به، فقال له المأمون: ما خبرك؟ قال:
يا أمير المؤمنين إمرأتي طالق إن كنت أعرف من أقوالهم شيئاً،
وإنَّما أنا رجل طفيلي، وقص عليه خبره، فضحك المأمون ثمّ أظهر له
صورة ماني فلعنها وتبرأ منها، وقال:
أعطونيها حتّى أسلح عليها واللّه ما أدري(21)
ما ماني أيهودياً كان أم مسلماً!؟
يثبت بوضوح ـ مما استعرضنا إلى هنا ـ أن المقصود من الزنادقة هم
أتباع، ماني، وإِن استعملت الكلمة أحياناً شذوذاً وتجوزاً في
غيرهم، إِذن فمن هو ماني؟ وما هو دينه؟.
9 سمّى المسعودي كتاب زرادشت بـ (أبستاه) واخترنا
لفظ غيره.
10 مروج الذهب بهامش ابن الاثير 2 / 84 و 116
بتصرّف.
11 ويأتي تفسير الصديقين في بيان شريعة ماني.
12 .160:P
,I ,Vol ,Browne.
13 دائرة المعارف الاسلامية بالانكليزية 1 /
445.
14 في دائرة المعارف الاسلامية ـ أيضا ـ آراء
أخرى في سبب التسمية لم نرها صحيحة مثل القول. بأن الزندقة معربة
عن (زندكر) أو (زنده كر) أي القائل ببقاء الدهر أو عن (زنده كرد)
أي عمل الحياة أو عن (زن دين) أي دين المرأة أو (زنديك) أي
العاملين بكتاب زند لمزدك الذي انشق على ماني.
15 راجع الطبري / ط. أوربا 3 / 588، في ذكره بعض
أخبار موسى، وابن الاثير كذلك.
16 هل كانت للزنادقة يد في قتله؟
17 الطبري / ط. أوربا 3 / 549 ـ 550 حوادث سنة
169، وط. مصر 10 / 14، وابن الاثير 6 / 29.
18 الطبري / طبعة أوربا 3 / 449.
19 الطبري / طبعة أوربا 3 / 522.
20 في كتب اللغة: الدارج: طائر مشهور، أمّا
الدرج فلم أجد له معنى.
21 مروج الذهب بهامش ابن الاثير 9 / 7 ـ 9 في
ذكره جملاً من أخبار المأمون.