ماني ودينه:
1 ـ وُلد ماني (22) في مدينة الرها
من بابُل (23) عام 216م، وكان أبوه (بتك) وثنياً،
ثمّ دان بالديصانية (24) ونشأ ماني عليها، ولما
أتم الرابعة والعشرين ادَّعى(25) النبوة واستخرج
دينه من الزرادشتية والماندائية (صابئة ميسان) ومن الهلينية
((الفلسفة الاشراقية اليونانية بعد الاسكندر)) والغنوصية (26)
وأخذ شيئاً من البوذية، وصب جميعها في قالب واحد، واستخرج منها ديناً
عجيباً واحداً، يجد فيه كلُّ إنسان ما يطلبه من زهد واعتراف بالذنوب،
وعبادات كالصلاة والصوم والادعية، كما يجد السائل فيه جواباً لجميع
المسائل الغامضة التي يبحث عنها الانسان من علم الفلك والجغرافيا
والفسلجة والفيزياء والحيوان والنبات والانسان، من كيفية بدء خلق هذه
وغيرها من الملائكة والعفاريت وجميع العالم، ومدة بقائها ونهايتها
كلّ ذلك بأسلوب خرافي عجيب بالنسبة لنا في هذا العصر.
خلاصة
دينه:
إنَّ للعالَم أصلين: النّور والظّـلمة، وثلاثة
أدوار: الماضي والحال والمستقبل، في الماضي كان كلّ من النور والظلمة
منفصلاً عن الاخر مجاوراً له، النور في الاعلى والظلام في الاسفل،
وكلّ منهما ممتد إلى جهاته الثلاث.
يهيمن في عالم النور كلّ الحسنات من النظم والسعادة
والاستقرار، وفي عالم الظلام كلّ السيئات من الاقذار والتشويش
والحروب والافات، يحكم عالم النور أبو العظمة، وعالم الظلام ملك
الظلام ـ ما يقابل الشيطان بالعربية وأهرمن بالفارسية ـ.
يتكوّن الظلام من خمس طبقات بعضها فوق بعض: الضباب،
النار الملتهمة، والريح المدمِّرة، والسيان، والظلمات. يدير عوالم
الظلمات الخمسة أراكنة رؤساء في صورة عفريت وأسد وعقاب... وللظلمة
عناصر خمسة: الذهب الصفر... وخمسة أطعمة: المالح والحريف... في كلّ
طبقة صنف من الموجودات الشريرة من عفاريت ذوات الرجلين ودواب ذوات
الاربع...
وللنور خمسة أماكن تحوي أعضاء اللّه الخمسة: الذكاء
والفكر... وهي مظاهر للّه. وكان النور كَمَلِك مقيم في قصره
المَلِكي، والظلام كخنزير يتمرغ في الاقذار تسرّه الاوساخ. يسود عالم
الظلام جدال وخصومة وحروب مستمرة وهجمات العفاريت المتوالية بعضها
على بعض وتمزيق والتهام بعضها الاخر، ودوام الشهوة البهيمية
وغليانها.
وكان شجرة النور ـ عالم النور ـ يخفي نفسه عن شجرة
الظلمة لئلا يهيجها، غير أن شعب عالم الطبيعة صعدوا في مشاجراتهم
حتّى انتهوا إلى عالم النور فهالهم ما رأوا، واشتهوا أَن يهاجموا هذا
العالم بجيش من عفاريتهم ليحتلوه ويلتهموه ويدخلوه في كيانهم، ولمّا
كان أبو العظمة دون أي سلاحٍ للحرب، ولم يرغب في أن يبعث أحد أعوانه
الالهة لمقابلة عالم الظلام، فقد تهيأ للدفاع بنفسه فخلق الوجود
الاول ((انه)) أم الحياة، وهي بدورها أنجبت وجوداً علوياً وهو
الانسان القديم أو الانسان الازلي، فهبط الانسان الازلي مع بنية
العناصر الخمسة الهواء والماء والضياء... وأمامه الملك نخشب، فنازلوا
الظلام، وغلب الانسان الاول، ومزقت العفاريت أولاده، وابتلعتهم.
وهنا بدأ الاختلاط بين النور والظلام، وبدأ دور
الحاضر من الازمنة الثلاثة وهو بذاته بدء عملية النجاة، وهو ـ أيضاً
ـ التضحية من اللّه وابنه في سبيل الخلاص، ومن هنا بدأت المعركة بين
النور الذي يريد إنقاذ أجزائه، والظلام الذي يريد إبقاءهم سجناء
داخله، فخلق اللّه آلهة أخرى فجاءوا إلى الانسان الازلي، واستطاعوا
أن ينقذوه، غير أنَّ أولاده (أي أجزاء النور) بقيت سجينة في عالم
الظلام، وفي سبيل إنقاذهم خلق عالم النور هذا العالم، كما أنَّ عالم
الظلام أيضاً قام بسلسلة أعمال لابقاء أجزاء النور سجينة في كيانها،
فتناكح عفريتان من الاراكنة الَّذين ابتلعوا أجزاء النّور فتولد
منهما آدم، وسجن في وجوده جزء كبير من النور، ثمّ تناكحا ثانية فولدت
حواء، وفيها قليل من النور، فأرسل اللّه عيسى ومعه أحد الالهة إلى
آدم هذا لانقاذه، فأفهمه ((الغنوص)) ليبتعد عن المرأة حواء، غير أن
العفريت الذكر أحد الاراكنة نكح ابنته حواء فولدت قابيل، ثمّ نكح
قابيل أمه حواء فولدت هابيل، ثمّ نكحها ثانية فولدت جاريتين، وفي كلّ
ذلك يشتد السجن على الجزء الالهي، وينتقل من سجن إلى سجن، وينتشر في
هذه السجون ليبقى خالداً على ما يريده عالم الظلام مازال التناسل
موجوداً.
وهكذا في سلسلة طويلة من الخيال الخرافي يصور ماني
كيفية خلق الجبال والنبات والحيوان والانسان، ومن هذا الخيال أنّ
اللّه خلق القمر زورقاً لنقل أرواح المؤمنين إلى الشمس التي تعلو بهم
إلى أصلهم العالم العلوي، ففي الخمسة عشر يوماً من أول الشهر يتدرج
هذا الزورق ـ القمر ـ بالامتلاء من أرواح المؤمنين، وفي الخمسة عشر
يوماً من آخر الشهر يتدرج في تفريغ شحنات النور إلى الشمس لتعالى بهم
إلى عالم النور، وهكذا يتدرج الهلال إلى أن يصير بدراً ثمّ يعود
هلالاً.
وكان إرسال عيسى لانقاذ آدم في البدء مثالاً لارسال
ماني الفار قليط لانقاذ بني الانسان لخلاص أجزاء النور المنبثة
بواسطة التناسل في وجود الانسان وفي سائر أجزاء هذا العالم من نبات
وحيوان، وإنَّ ماني أُرسل لينهي هذا الازدواج بين الظلام والنور ومدة
هذا الامتزاج 12 ألف عام، وكان قد مضى عليه إلى عام 271هأحد عشر ألف
عام وسبعمائة عام (27) وبقي منه 300 عام لينتهي
دور الحال في عام 531ه. بتعليمات ماني، ثمّ يأتي دور المستقبل أو
زمان الانحلال ورجوع كلّ شيء إلى أصله، فعالم جنان النور إلى الاعلى
يصعد إليه كلّ الخير ويتجمع فيه، وتتنعم فيه أرواح المؤمنين
والملائكة والالهة، وعالم الظلام السفلي تبقى فيه الشرور والاثام
والافات وتتجمع فيه العفاريت والشياطين وأرواح البشر الشريرة
ليتعذبوا فيه مخلدين (28).
هذه خلاصة ما في دين ماني من أسرار التكوين
لخَّصناها بايجاز. وفي ما يلي رأي ماني في الانبياء.
22 كان ماني أحنف الرجل ورساما ماهرا، اخترع حروفا
للكتابة، ولغة كتبه سريانية عدا سابرقان الذي كتبه بالفارسية، راجع
الفهرست 457 و((ماني ودين أو)) 61 ـ 69.
23 اسمها بالعربية (الرها) قال الحموي: مدينة
بالجزيرة بين الموصل والشام، وهي (ادسا)، وسماها الاتراك (أورفا).
راجع (بلدان الخلافة الشرقية 132 ـ 135).
24 راجع ((ماني ودين او)) ص 5 و 6.
25 راجع الفهرست للنديم ص 458، و((مانى ودين او))
ص 7 و 29 ـ 37.
26 الغنوصية مزيج من الهلينية والعقائد الدينية
المنتشرة في البلاد الواقعة بين ايران واليونان، مع الايمان بأصلين
حاكمين في العالم أي عنصري الخير والشر، والايمان بقوى السيارات
السبع الخالقة المدبرة للعالم، والايمان بنجاة روح الانسان من العالم
السفلي المادي عالم الشرور والاثام وعودته الى العالم العلوي بتحصيل
المعرفة بحقائق الاشياء والزهد في الدنيا، والكف عن المعاشرة
الجنسية.ومن الغنوصية فرق يهودية وأخرى مسيحية، ومن الغنوصية
المسيحية الديصانية اتباع ابن ديصان، والمرقيونية اتباع مرقيون، وكلّ
منهما دان بالنصرانية وله إنجيل خاص به، وهو يكذب سائر الاناجيل،
راجع ((ماني ودين او)) 34 ـ 36.ويرى المستشرق الروسي. بارتولد ان
الكاتب السرياني بردسان (155 ـ 222م) ممن نشأ بادسا ((حاول التأليف
بين الفلسفة الوثنية المسماة الغنوستية
Gnosticisme
وبين الاراء النصرانية... وان آراءه قد أثرت في المانوية)).ويقول
محمد فؤاد كوبريلي الاستاذ التركي في تعليقه على الكتاب بأن الغنوس
Gnosمعناها
((المعرفة العالية ذات الاسرار)) تاريخ الحضارة الاسلامية تأليف ف.
بارتولد ط. مطبعة المعارف بمصر 1942 م ص 11 ـ 12.
27 ((ماني ودين او)) نقلا عن الشهرستاني عن أبي
سعيد أحد رؤساء المانوية.
28 الفهرست للنديم ص 456 ـ 464، و((ماني ودين او))
27 ـ 54.