رأي ماني في الانبياء:
كان ماني لا يؤمن بموسى وتوراته، ويقول إنَّ بوذا
وزرادشت بعثا في الشرق، وعيسى ـ غير المولود من الام ـ بعث إلى
الغرب، أمّا هو فإنه الفارقليط الذي بَشَّر به عيسى، وقد بُعِث في
قلب العالم بابُل ليؤلِّف الظهورات السابقة، ويجمع بعضها إلى بعض
ويكملها ويبلغها بجميع الالسنة (29)، وبما أنه
مبعوث إلى جميع الناس، وأن دينه سيحل محل جميع الاديان؛ فقد سعى هو
وخلفاؤه لترجمة أفكاره لكلّ أمة بلغتها، واستعاروا مصطلحات أهل كلّ
دين في ما ينشرون له، استعاروا للشهور المانوية أسماء شهور الاُمَّة
التي ينشرون لها، وللالهة التي جاء ذكرها عندهم آلهة أولئك. ومن هنا
جاءت مصطلحات زرادشتية وأسماء وأبطال أساطير الفرس في ما ترجموا
للفرس ومسيحية في ما ترجموا للمسيحيين، ويونانية لليونانيين،
وبوذائية للصينيين، وكان بعض الالهة تسحب زملاءها معها عندما تدخل في
المانوية، ولذلك تنامي عدد الالهة عندهم في القرون الاخيرة، وكثرت
العزائم والسحر لدفع الشياطين، وهذا مضافاً إلى مافي أصل دين ماني من
مخالفة للفطرة في دعوتها لقطع النسل لفناء العالم، كان سبباً لزوال
دينهم بعد ألف عام من الانتشار (30).
شريعة
ماني:
في شريعة ماني صلاة وصوم وغناء ـ تراتيل ـ ولهم عيد
سنوي وكنيسة تنقسم إلى خمسة صالونات. وكيفية الدخول في دينه: أن
يمتحن الانسان نفسه على قمع الشهوة وترك أكلّ اللحوم وشرب الخمر
والنكاح، فان أجابته نفسه، دخل في الدين، وإلاّ فان أحب الدين ولم
يستطع ترك جميع ذلك، يجعل لنفسه وقتاً للتجرُّد للعبادة، ويغتنم حفظ
الدين والصديقين. وهؤلاء هم السماعون عامة المؤمنين بماني وشرع
لهؤلاء صياماً وصلاة...، وفوقهم الصِّديقون، وشرع لهم عبادة وحرم
عليهم اقتناء أيّ شيء خلا قوت يوم واحد من الاطعمة النباتية، ولباس
سنة واحدة، وإدامة التطوف للدعوة والارشاد. وفوقهم القسيسون وعددهم
360 شخصاً، وفوقهم الاساقفة وعددهم 72، وفوقهم المعلم، ثمّ خليفة
ماني (31).
نهاية
ماني ودينه:
جوّل ماني البلاد أربعين سنة (32)،
دعا خلالها الهند والصين وأهل خراسان، وخلف في كلّ ناحية صاحباً له،
وحظي بتأييد أباطرة إيران وحكامها مدة 31 عاماً مما يسَّر له نشر
دينه في أقطار من الارض، وترسيخه بين أمم كثيرة من الناس، كانت منيته
على يد بهرام بن هرمز، بعد أن بقي مستتراً مدة حكمه ثلاث سنوات،
وأخيراً نجح بهرام في جلبه إلى بلاطه ومحاكمته، فقال له: أنت لا
تشارك في الحرب والصيد ولا تتمكن من علاج المرضى، فماذا تنفع؟
فأجابه: أنقذت كثيراً من خدمك من الشياطين والسحر، وأبرأت كثيراً من
المرضى، وأحييت كثيراً بعد أن أشرفوا على الهلاك.
وفي رواية قال له: أنت تدعو إلى خراب العالم فلنخرب
بدنك قبل أن تنجح، وأمر به إلى السجن والقيد، فقيّد بقيود تزن 25
كيلو غراماً، وقضى في السجن 26 ليلة ثمّ مات من أثر القيد، عام 277 م
بعد أن عمّر 60 عاماً، ثمّ قطع رأسه وصلب جسده بباب البلد (33).
انتشار
المانوية:
إنتشرت المانوية في البلاد المسيحية منذ القرن
الرابع الميلادي في إسبانيا وجنوب فرنسا وإيطاليا وبلغاريا وارمينية
ـ روسيا، ويقيت حتّى القرن 15 م. وانتشرت في شرقي إيران إلى طخارستان
ومرو وبلخ، وفي القرن الثامن استقر أحد خلفاء ماني في طخارستان.
وانتشرت المانوية في الصين في القرن السابع
الميلادي، ومنحوا حرية العمل فيها، ودان بالمانوية إمبراطور الاقليم
الشرقي منها، أواخر القرن الثامن، ثمّ ضيّق عليهم في القرن التاسع،
وبقيت المانوية في الصين حتّى القرن الرابع عشر الميلادي(34).
وروى المسعودي في مروج الذهب وقال: (كان أقوى دولة
لدى الاتراك وأنظمها في عام (332هـ 943م) كوشان وهم مانويون)
هكذا انتشرت المانوية لدى غير المسلمين.
وفي البلاد الاسلامية مال إليهم من الخلفاء الوليد
الثاني الاموي (125 ـ 126) ه (35) ومروان بن محمّد
الجعدي (ت: 132هـ)
ولُقِّب بالجعدي نسبة إلى أستاذه الجعد بن درهم الذي
يقال إنّه أدخله في الزندقة، وتعقبهم الخلفاء العباسيون بالقتل مما
سنشير إليه في ما يأتي، فهاجروا من العراق وإيران إلى شرق إيران
وشمالها وإلى تركستان. قال النديم: كنت أعرف منهم في عهد معزِّ
الدولة 300 شخص ولم يبق منهم ـ زمن تأليف الفهرست ـ إلاّ خمسة أشخاص،
وهاجروا إلى حوالي صغد وبيجيك وسمرقند (36).
بعد
إيراد ما سبق عن الزندقة والزنادقة، نستعرض بإيجاز شيئاً من وجوه
نشاطهم في عصر سيف، لتتم لنا به الدراسة عن شتى
نواحي الزندقة يومذاك.
29 الفهرست للنديم ص 457، و((ماني ودين او)) ص 57
ـ 58.
30 ((ماني ودين او)) ص 22.
31 الفهرست للنديم ص 465 ـ 466، و((ماني ودين او))
ص 49 ـ 54.
32 هكذا يروي النديم في الفهرست ص 458، غير أنّا
نجد أنّ المدة منذ ادعائه للنبوة حتّى وفاته تساوي 38 عاما (240 ـ
277م).
33 ((ماني ودين او)) ص 1 ـ 16 و 58.
34 ((ماني ودين او)) ص 18 ـ 20.
35 الفهرست للنديم ص 472، والاغاني 6 / 131، وابن
الاثير ط. أوربا 5 / 329.
36 الفهرست للنديم ص 472