4 ـ نشاط الزنادقة:
روى المسعودي في أخبار القاهر من مروجه (37)
وقال عن المهدي العباسي: ((وأمعن في قتل الملحدين والذاهبين عن الدين
لظهورهم في أيامه وإعلانهم باعتقاداتهم في خلافته، لما انتشر من كتب
ماني وابن ديصان ومرقيون، ممّا نقله عبداللّه بن المقفَّع وغيره،
وترجمت من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنفه في ذلك الوقت
ابن أبي العوجاء وحمَّاد عجرد ويحيى بن زياد ومطيع بن أياس تأييداً
لمذاهب المانية والديصانية والمرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة، وظهرت
آراؤهم في الناس)) الحديث.
نشاط
الزنادقة:
نستعرض فيما يلي بإيجاز نشاط بعض من رمي بالزندقة:
1
ـ عبداللّه بن المقفّع:
المولود 106 ـ 142ه، ترجم للمنصور كتب أرسطو طاليس
وغيره في المنطق، وكان ابن المقفع أول من ترجمها في الاسلام، وترجم
إلى الفارسية كليلة ودمنة وكتباً أخرى، وأنشأ رسائل بليغة منها الادب
الصغير والادب الكبير واليتيمة، أُتُّهِم بالزندقة، وكان المهدي
يقول: ما وجدت كتاب زندقة إلاّ وأصله ابن المقفع (38)
هكذا ذكروا، بينما لم نجد في آثار ابن المقفع ما يدل على زندقته
إلاّما ورد في باب برزويه من كليلة، والذي ثبت عند المحققين أنه من
إنشاء ابن المقفع نفسه حيث قال فيه على لسان برزويه:
(وقد وجدت آراء الناس مختلفة، وأهواءهم متباينة،
وكلّ على كلّ راد وله عدو مغتاب، ولقوله مخالف، فلما رأيت ذلك لم أجد
إلى متابعة أحد منهم سبيلاً.. إلى قوله: عدت إلى طلب الاديان والتماس
العدل منها، فلم أجد عند أحد ممن كلمّته جواباً فيما سألته عنه فيما،
ولم أرد فيما كلَّموني به شيئاً يحقّ لي في عقلي أن أُصدِّق به، ولا
أن أتبعه، فقلت: ألزم دين آبائي فلم تقبل نفسي ذلك، بل وجدتها تريد
أن تتفرغ للبحث عن الاديان والمسألة عنها، فخطر على بالي قرب الاجل،
ففكرت في ذلك، فلما خفت من التردد والتحول، رأيت ألاّ أتعرض لما
أتخوف منه المكروه، وأن اقتصر على عمل تشهد النفس أنَّه يوافق كلّ
الاديان، فكففت يدي عن القتل والضرب ـ إلى قوله ـ وأضمرت في نفسي
ألاّ أبغي على أحد، ولا أُكذّب بالبعث ولا القيامة، ولا الثواب ولا
العقاب، وزايلت الاشرار بقلبي ـ إلى قوله ـ فحينئذ صار أمري إلى
الرضا بحالي، وإصلاح ما استطعت إصلاحه من عملي لَعلّي أصادف باقي
أيامي زماناً أصيب فيه دليلاً على هداي وسلطاناً على نفسي وقواماً
لامري، فأقمت على هذه الحال وانتسخت كتباً كثيرة..).
يوضح ما أوردنا سير ابن المقفع الفكري: شكُ ((في
الدين، وترديد)) في قبول أحد الاديان مع تحول من الزرادشتية إلى
الاسلام في الظاهر، ثمّ القيام بما يوافق كلّ الاديان: من كفّ اليد
عن القتل والضرب، وانتساخ كتب كثيرة. وفي قوله هذا دليل على صحة ما
نسبوا إليه، من نشره كتب الزندقة. ولعله انتهى الامر به أخيراً إلى
دين ماني الذي يجد السائل فيه جواباً ما لاسئلته عن فلسفة التكوين مع
ـالغنوص ـ الزهد في الدنيا والمعرفة كما سبق ذكره، وكلّ ذلك يتناسب
وطبيعة ابن المقفَّع من حبّ للعلم واحترام للزهد. وبذلك بلغ ما تمناه
في قوله:
((لعلّي أصادف باقي أيامي زمانا أصيب فيه دليلاً على هداي)).
37 فهرست النديم ص 471 ـ 474، ومروج الذهب، في ذكر
أخبار القاهر الخليفة العباسي.
38 في وفيات الاعيان لابن خلّكان، 1 / 413.