3 ـ مطيع بن إياس:
أبو سلمى بن إياس من شعراء الدولتين: الاموية
والعباسية، ولد بالكوفة، ونشأ فيها شاعراً ظريفاً خليعاً ماجناً (48)،
وكان عاقّاً بأبيه ويهجوه(49) اتصل بعمر ابن يزيد
بن عبدالملك ومدحه، فأجازه بعشرة آلاف، وأوصله إلى أخيه الوليد
فاستنشده ثلاثة أبيات له في الغزل فأطربه وشرب عليها أُسبوعاً، ثمّ
انقطع إليه وعاش في دولتهم ومع أوليائهم وعمالهم وأقاربهم، وكان هو
ويحيى بن زياد الحارثي (50)
وابن المقفع ووالبة يتنادمون ولايفترقون، ولا يستأثر
أحدهم على صاحبه بمال ولا ملك، وكانوا جميعاً يُرمون بالزندقة (51)
ذهب مطيع في آخر دولة بني أمية وأول ظهور بني العباس إلى عبداللّه بن
معاوية عند استيلائه على نواح من الجبل، ونادمه وله قصص معه ومع صاحب
شرطه الذي كان دهريّاً ولا يؤمن باللّه (52).
وانقطع في دولة بني العباس إلى جعفر بن المنصور،
وكان جعفر هذا يعترض على أبيه المنصور، أخْذَ البيعة لاخيه المهدي بن
المنصور، وفي يوم البيعة تكلمت الخطباء وأكثرت الشعراء، واشترك مطيع
معهم، فلما فرغ من كلامه مع الخطباء وإنشاده مع
الشعراء، قال: يا أمير المؤمنين، حدثنا فلان عن فلان،
أنَّ النبي (ص) قال: ((المهدي محمّد بن عبداللّه وأمه من غيرنا
يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً)) وهذا العباس بن محمّد أخوك يشهد على
ذلك. ثمّ أقبل على العباس فقال: أنشدك اللّه هل سمعت هذا؟ فقال: نعم،
مخافة من المنصور، فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهدي، ولما انقضى
قال العباس: أرأيتم هذا الزنديق، إذ كذب على اللّه ورسوله، لم يكتفِ
حتّى استشهدني على كذبه، فشهدت له خوفاً وشهد كلّ من حضر عليَّ بأنّي
كاذب فبلغ الخبر جعفراً فغاضه، وكان ماجناً... الحديث (53).
كره أبو جعفر منادمة مطيع بن إياس لابنه جعفر لما
اشتهر به في الناس فدعاه وقال له: عزمت على أن تفسد عليَّ ابني
وتُعلّمه زندقتك، فقال: إنَّه يزعم أنه يتعشق امرأة من الجن، وهو
مجتهد في خطبتها، وجمع أصحاب العزائم وهم يُغرونه وما فيه فضل لجد
ولا هزل ولا كفر ولا إيمان، فقال له: عد إلى صحبته واجتهد أن تزيله
عن هذا الامر (54).
ولمطيع هذا قصص كثيرة في المجون مع حمّاد عجرد
وصاحبته، ويحيى بن زياد وصاحبته، وجل شعره في الجواري المغنّيات (55)...
وقال في المغنية جوهر أبياتاً منها:
فلا واللّه ما المهديُّ أولى منك
بالمنبر
فإن شئت ففي كفّيك خلع ابن أبي جعفر
فقال المهدي: اللّهمّ العنهما جميعاً، ويلكم اجمعوا
بين هذين قبل أن تخلعنا هذه... وجعل يضحك من قول مطيع (56).
وله مجالس كثيرة في المجون أوردها صاحب الاغاني
بترجمته منها ما روى، وقال: اجتمع يحيى ومطيع وأصحابهما. فشربوا
أياماً تباعاً، فقال لهم يحيى ليلة: ويحكم! ما صلينا منذ ثلاثة أيام،
فقوموا حتّى نصلّي، فقالوا: نعم، فقال مطيع للمغنية: تقدمي فصلّي
بنا، فتقدمت تصلّي بهم وعليها غلالة رقيقة مطيبة بلا سراويل فلما
سجدت... قطع صلاته ثمّ أنشد أبياتاً ماجنة.
فقطعوا صلاتهم وضحكوا وعادوا إلى شربهم (57).
وصاحبه تاجر من أهل الكوفة فأفسده، ومرّ عليه ذات
يوم فأخبره مطيع بما عنده من أطايب الطعام والشراب وصنوف العيش،
ودعاه أن يشاركه فيها بشرط أن يشتم الملائكة، فنفر منه وكان فيه بقية
من دين، وقال: قبّح اللّه عشرتكم فضحتموني وهتكتموني، فمضى ولقيه
حمّاد فأخبره الخبر، فقال له حمّاد: أساء مطيع وأخطأ، وعندي ضعف ما
وصف وأنت الشريك فيه على أن تشتم الانبياء فإنّهم تعبّدونا بكل أمر
متعب ولا ذنب للملائكة فنشتمهم، فنفر التاجر وقال: أنت أيضاً! فقبحك
اللّه لا أدخل، ومرّ بيحيى بن زياد ولقي منه مثل الاخرين فنفر منه
أيضاً، ثمّ ضيّفوه على غير شرط، فأكلوا وشربوا وصلّى الرجل الظهر
والعصر، فلما دبّ الكأس فيه قال له مطيع: تشتم الملائكة أو تنصرف؟
فشتمهم، فقال له يحيى: تشتم الانبياء أو تنصرف؟ فشتمهم، ثمّ قالوا
له: أتترك باقي صلاتك اليوم أو تنصرف؟ قال: بل أتركها يا بني الزانية
ولا أنصرف، وفعل كلّ ما أرادوا منه (58)...
وكتب يوماً إلى يحيى بن زياد (59)
يدعوه إلى مجلس شرب له في الكرخ، وفي رواية: ان ذلك كان يوم عرفة،
فشرب يومه وليلته واصطبح يوم الاضحى، فقال أبياتاً منها:
قد شربنا ليلة الاضحى وساقينا
يزيد
....................... ................
بعضهم ريحان بعض فهم مسك وعود
وانتشرت هذه الابيات حتّى بلغت المهدي فلم يفعل
شيئاً(60) .
وكتب إلى عوف بن زياد يدعوه إلى مجلس شرب وعربدة في
أبيات قالها:
إن تشته فسادا فعندنا فساد
... الابيات (61).
وخرج هو ويحيى إلى الحج، فلما بلغا دير زرارة قدّما
أثقالهما ليبيتا ليلة واحدة فيه للقصف ثمّ يلحقا بأثقالهما، فمكثا في
الدير منصرفين للقصف حتّى انصرف الحاج من مكة، فركبا بعيريهما وحلقا
رؤوسهما(62) ودخلا مع الحاج المنصرفين، وقال مطيع
في ذلك:
ألم ترني ويحيى قد حججنا وكان الحج من خير
التجاره
خرجنا طالبي خيـر وبـر فمال بنا الطريق إلى
زراره
فعاد الناس قد غنموا وحجّوا وأُبنا موقـرين من
الخساره
وفي الديارات للشابشتي أيضاً قال أبياتاً منها:
وصاحبنا بها ديـراً وقسيساً وخـمّارا
وظبياً عاقـداً بين النقا والخصـر زنّارا
شـرحنا لك أخباراً وأدمجناك أخبارا (63)
وكان مطيع يرمي بمرض قوم لوط، فدخل عليه قومه فلاموه
على فعله، وقالوا له: أنت في أدبك وشرفك وسؤددك ترمي بهذه
الفاحشة القذرة فلو أقصرت عنها؟
فقال: جرّبوه أنتم، ثمّ دعوا إن كنتم صادقين!
فانصرفوا عنه وقالوا: قبّح اللّه فعلك وعذرك وما استقبلتنا به (64).
في
مرض موته:
مات بعد ثلاثة أشهر من خلافة الهادي، وقال له الطبيب
في مرض موته: ماذا تشتهي اليوم؟ قال: أشتهي ألاّ أموت (65).
وخلّف بنتاً واحدة أتي بها إلى الرشيد في الزنادقة،
فقرأت كتابهم واعترفت به، وقالت: هذا دين علّمنيه أبي وقد تبت منه،
فقبل توبتها وردَّها إلى أهلها(66).
هذا الشاعر على فسقه ومجونه وتهتكه كان من ندامى
خلفاء الامويين والعباسيين وولاة عهدهم، قال الخطيب في ترجمته ((نادم
المنصور ومن بعده المهدي))(67) .
روى صاحب الاغاني أن المهدي كان يشكر له قيامه في
الخطباء ووضعه الحديث لابيه في أنه المهدي، وفي الرواية: إنَّ صاحب
الخبر (68) رفع إلى المنصور بأنّه زنديق ويعاشر
ابنه جعفراً وجماعة من أهل بيته ويوشك أن يفسدهم، فشفع فيه المهدي،
وقال: إنّه ليس بزنذيق ولكنه خبيث الدين. قال: فأحضِره وانهه، فلمّا
أحضره المهدي قال له: لولا أني شهدت لك بالبراءة مما نسبت إليه من
الزندقة لامر بضرب عنقك، وفي اخر المحاورة أجازه المهدي بـ 200
دينار، وكتب إلى والي البصرة اَن يولّيه عملاً، فولاه صدقات البصرة
وعزل عنها واليها (69).
وعاتبه المهدي في شيء بلغه عنه، فقال: إنْ كان ما
بلغك عني حقّاً فما تغني المعاذير، وإن كان باطلاً فما تضر الاباطيل،
فقبل عذره وقال: فإنّا ندعك على جملتك ولا نكشفك (70).
* *
*
لا تناقض، بين ما ذكروا في المانوية من الغنوص ـ
الزهد في الدنيا وحبّ المعرفة ـ وما نقرأ في سيرة مطيع من خلاعة
ومجون، إذ من الجائز أن يكون مطيع هذا من طائفة المقلاصية من
المانوية الذين كانوا في عصر المنصور والذين قال عنهم النديم ((كانوا
يرخصون لاهل المذهب والداخلين فيه أشياء محظورة في الدين وكانوا
يخالطون السلاطين)) (71).
ومن الجائز أن مطيعاً ونظائره من الماجنين من
الزنادقة تجوزوا ما جاء في شريعة ماني أنَّ على من أراد أن يدخل في
الدين: (أن يمتحن نفسه على قمع الشهوة وترك أكلّ اللحوم وشرب الخمر
والنكاح... فإن أجابته نفسه دخل في الدين، وإلاّ فإن أحبَّ الدين ولم
يستطع ترك جميع ذلك يجعل لنفسه وقتاً للتجرد للعبادة ويغنم حفظ
الصديقين)(72) .
لعل هؤلاء تجاوزوا في هذا السماح حتّى انتهوا إلى
هذا الحدّ من الاسراف في التحلل عن كلّ ضابط إنساني.
ونحن نجد في ترجمة مطيع دليلاً قوياً على زندقته:
وهو ما ذكروا من أنه (خلّف بنتاً واحدة أُتي بها إلى الرشيد في
الزنادقة، فقرأت كتابهم واعترفت به وقالت: هذا دين علّمنيه أبي) (73).
* *
*
هذه ثلاثة نماذج من الزنادقة ترينا سيرتهم أوجه نشاط
الزنادقة في عصر سيف:
أحدهم يترجم كتب الزنادقة وينشرها بين المسلمين.
وثانيهم: ينشر التفسخ الخلقي والدعارة والمجون
والتحلل من كلّ ضوابط الانسانية، ويجد سنداً من مهدي بني العباس حين
يحميه لانّه وضع حديثاً في شأنه ورواه يوم بيعته.
وثالثهم: جم النشاط كثير التنقل، فتارة في مكة يناظر
الامام الصادق (ع) في تشريع الحج وآي من القرآن، ويستهزئ بعقل الحاج،
وأخرى في حرم الرسول يستخف بناموس محمّد ـ الربوبية ـ وثالثة في
البصرة يفسد الاحداث، هو في كلّ مكان ساع دؤوب نشيط في تشويش عقائد
المسلمين وبلبلة أفكارهم، شأنه في ذلك شأن الاثنين الاخرين، فهم
جميعاً يشتركون في ما يؤثّرون ـ عامدين ـ في المجتمع الاسلامي من
تخلخل وزعزعة لكيانه الفكري ونظامه الاجتماعي، وأخيراً يهدّد هذا في
البصرة فيفرّ إلى الكوفة، وهناك يشيع أمره فيسجن للقتل وتكثر شفعاؤه
لدى الخليفة المنصور ولا يتكلم فيه إلاّظنين حتّى يخضع لهم الخليفة
ويكتب لواليه على الكوفة بالكفّ عنه، ولكن سبق السيف أمر الخليفة
إليهم، وقتل قبل وصول أمر الخليفة إليه، وفي ساعة قتله يخبرهم بأنه
وضع أربعة آلاف حديث يُحلِّل فيه الحرام ويُحرِّم فيه الحلال! وأنه
بذلك أفطرهم يوم صومهم وصوّمهم يوم فطرهم.
ولم ينحصر وضع الحديث عند الزنادقة بمن ذكرنا بل
تعداهم إلى غيرهم فقد نقل ابن الجوزي في كتابه ((الموضوعات)) اَنّ
الزنادقة قصدوا إفساد الشريعة وإيقاع الشك فيها في قلوب العباد
والتلاعب بالدين، ثمّ ذكر قصة ابن أبي العوجاء السابقة ثمّ روى عن
المهدي ـ الخليفة العباسي ـ انه قال: ((أقرَّ عندي رجل من الزنادقة
أنه وضع أربعمائة حديث فهي تجول في أيدي الناس... وقد كان في هؤلاء
الزنادقة من يغفل الشيخ في كتابه فيدس فيه ما ليس من حديثه فيرويه
ذلك الشيخ ظناً منه أنه من حديثه قال وقال جاد بن زيد وضعت الزنادقة
أربعة آلاف حديث...)) (74) ولا يُدرى إلى اليوم
أين ذهبت تلك الاحاديث، وما هي نظراؤها من أحاديث وضعتها الزنادقة
ودستها في كتب المسلمين غير ما وجدنا من أحاديث سيف المتهم بالزندقة،
فإنه وضع آلافاً من الاحاديث مما لايدرى عددها، ذهبت في مصادر
إسلامية منذ مئات السنين، استطاع فيها سيف أن يحرف التاريخ الاسلامي
ويبرزه على خلاف حقيقته.
فان كان ابن أبي العوجاء وضع أربعة آلاف حديث يحرم
فيه الحلال ويحلّل فيه الحرام، فان سيفاً وضع آلافاً من الاحاديث،
أبرز فيها أروع أصحاب النبيّ سخفاء جناة، والمغموصين في دينهم ذوي
حجىً وورع ودين! استطاع أن يدخل أساطير خرافية في التاريخ الاسلامي
شوَّه بها الحقائق الاسلامية وأثر فيها على عقائد المسلمين وعلى رأي
غير المسلمين في الاسلام. وفي هذا يشترك سيف مع من ذكرنا من الزنادقة
في تأثيرهم على العقائد الاسلامية، وان كان سند مطيع في عمله ما وضعه
من حديث في بيعة المهدي وبذلك كسب حماية المهدي له؛ فإن سيفاً ـ
أيضاً ـ وضع جلّ أحاديثه في تأييد السلطة القائمة والحطِّ من
مناوئيها، فكسب بذلك حماية السلطة لموضوعاته وكسب رواجها إلى يومنا
هذا، مضافاً إلى مجاراته ـ في ما وضع ـ لنفوذ العصبية القبلية في
عصره وجنوحه هو بنفسه إلى العصبية النزارية قبيلة السلطة القائمة مدة
خلافة الراشدين والامويين والعباسيين، ولتفهّم أثر العصبية على سيف
وعصره لابدَّ لنا من دراستها، وقد عقدنا الفصل الاتي لهذه الدراسة...
48 أبوه أبو قراعة إياس بن سلمى الكناني، من بني
ليث بن بكر، من أهالي فلسطين، بعثه عبد الملك الى الكوفة فيمن أمد
بهم الحجاج، فسكنها وتزوج بها أم مطيع، (الاغاني 12 / 86) و(تاريخ
بغداد للخطيب 13 / 223 ـ 224).
49 الاغاني 12 / 99.
50 الاغاني 12 / 86.
51 قالوا: كان ابن خال أبي العباس السفاح، وكان
شاعرا ماجنا.
52 عبد اللّه بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب،
استولى على أصبهان وقم ونهاوند وغيرها من بلاد الجبل، وأساء السيرة
فيهم هو وصاحب شرطه قيس بن عيلان العنسي النوفلي، (الاغاني 12 / 75 ـ
85).
53 الاغاني 12 / 81.
54 الاغاني 12 / 81.
55 الاغاني 12 / 99 و 100 و 101.
56 الاغاني 12 / 94.
57 الاغاني 12 / 100.
58 الاغاني 12 / 96.
59 يحيى بن زياد الحارثي من أخوال المنصور، راجع
الاغاني 11 / 145 وقد ولاّه المنصور بعض أعمال الاهواز بشفاعة المهدي
له، وهو من بني الحرث بن كعب، (الاغاني 13 / 88).
60 الاغاني 12 / 58 سجلت هذا ونظائره في ترجمة
مطيع بتقزز حيث لايمكن معرفة عصر سيف دون كشف نظائر هذه السوءات.
61 الاغاني 12 / 86.
62 كذا جاء في الاغاني والديارات وهو خطأ والصحيح
(رأسيهما).
63 الاغاني 12 ـ 87، والديارات للشابشتي 160 ـ
162.
64 الاغاني 12 / 78.
65 الاغاني 12 / 105.
66 الاغاني 72 / 85.
67 الخطيب في تاريخ بغداد 13 / 225.
68 صاحب الخبر يقابل مدير الاستخبارات في الحكومات
المعاصرة.
69 الاغاني 12 / 96.
70 الاغاني 12 / 98.
71 الفهرست للنديم ص 467 ـ 468.
72 راجع قبله فصل: ((شريعة ماني)).
73 راجع الاغاني 72 / 85.
74 تهذيب ابن عساكر 2 / 11 ـ 12، وط. 2، 2 / 14 ـ
15 نقلا عن كتاب الموضوعات لابن الجوزي 1 / 37 ـ 38.