تعصّب سيف للنزاريّة:

 ويلاحظ مما تقدَّم إنَّ تلك المعارك الدموية كانت أيضاً تقوم وتستعر على التنابز والتراشق وتتفاقم مع كلّ تنابز وتراشق وتفاخر وتكاثر.

 إذن لقد كان العنصر الاساس في كلّ ذلك لمفاخرة القبلية.

 ومن راجع دواوين الادب وجد فيها كثيراً من هذا التفاخر والتكاثر مما أدى ببعضهم إلى وضع قصص تاريخية، وأحاديث دينية، وخطب حماسية، مما لم يكن لشيء منها وجود خارج تلك القصص، وفي هذا لم يبلغ أحد في القديم والحديث شأو سيف بن عمر التميمي البرجمي، قطين الكوفة، صاحب كتاب الفتوح الكبير والردة، وكتاب الجمل ومسير علي وعائشة. فانه اختلق أمّة من الشعراء في كتابيه المذكورين يدافع كلّ منهم في شعره عن أمجاد مضر عامة وفرع تميم خاصة، واختلق في الصحابة من ذوي الفضل والسبق جماعة كبيرة تنتمي إلى تميم، ومن القواد الفاتحين ورواة الحديث كذلك. ووضع لشرح بطولات هؤلاء قصصاً حربية، في حروب الردة والفتوح، ذكر فيها حروباً لم تقع! ومواقع حربية لم تكن! وللتدليل على بطولة أبطال قصصه ذكر عدداً للقتلى والاسرى في تلك الحروب بلغت أُلوف الاُلوف، مما لم يكن لذلك العدد من النفوس وجود في تلك الاماكن لتقتل أو لتؤسر، ووضع على لسان أولئك الابطال قصائد في الفخر والحماسة والوصف والهجاء، وافتعل كذلك كتباً صدرت إليهم من الخلفاء. وأوسمة منحوها! كما افتعل معاهدات لابطال أساطيره مع أهالي البلاد المفتوحة ممّا لم يقع شيء منها! ومن كلّ ذلك دوَّن سجل فخر لمضر ثمّ لتميم ثمّ لبني عمرو (البطن الذي ينتمي إليه من تميم). ومما وضع على لسان أبطال أساطيره من تميم أنَّ القعقاع بن عمرو (33) أنشد في الفخر:

كم من أب لي قد ورثت فعاله      جمَّ المكارم بحـره تيّار

ورثَ المكارمَ عَن أبيه وجدّه      فبنى بناؤهُم له استبصار

فبنيت مجدهم وما هدّمته          وبنيّ بعدي إن بقوا عُمّار

مازال منا في الحروب مروَّسُ    ملك يغير وخلفه جرّار

بطل اللقاء إذا الثغور (تواكلت)   عند الثغور مُجرَّب مظفار(34

 وقال فيما وضع على لسان أبي مفزر الاسود بن قطبة التميمي في بني عمرو ـ وسيف من بني عمرو ـ:

   وإنا بني عمرو مطاعين في الوغى

                                مطاعيم في اللاواء أنصبة الجهر

 وفيما نسب إلى أبي بجيد نافع بن الاسود التميمي:

    ونحن قتلنا يزدجرد ببعجة

                     من الرعب إذ ولّى الفرار وغارا

 وانه قال:

     قومي أُسيد إن سألت ومعدني

                          فلقد علمت معادن الاحساب

 وقال عن لسان ربيع بن مطر:

     ونادى منادي المءر سعد بن مالك

                       بأن الحمادي في تميم وغرّدا (35)

 وانه قال:

  وقال القضاة من معد وغيرها

                         تميمك أكفاء الملوك الاعاظم

 ولم يكتف بما أختلق من أبطال الاساطير من الانس لنشر مآثر تميم، حتّى اختلق هواتف من الجن يهتفون في الهواء بذلك، ومن ذلك ما روي الطبري في تاريخه (36) عن سيف وقال:

 لما كانت وقعة القادسية سارت بها الجن فأتت بها ناساً من الانس فسبقت أخبار الانس إليهم ـ إلى قوله ـ وسمع أهل اليمامة مجتازاً يغني بهذه الابيات:

     وجدنا الاكثرين بني تميم

                           غداة الروع أصبرهم رجالاً

    همو ساروا بأرعن مكفهرّ

                            إلى لجبٍ فزرَّتهم رعالا

   بحور للاكاسر من رجال

                          كأسد الغاب تحسبهم جبالا

   تركن لهم بقادس عرّ فخر

                            وبالخيفين أياماً طـوالا

  مقطّعة أكفهـم وسـوق

                      بمردًى حيث قابلت الرجالا (37)

 وقال: (وسمع بنحو ذلك في عامة بلاد العرب) انتهى.

 وكان هؤلاء القادة الفاتحون من أبطال أساطيره بحاجة إلى جنود وأتباع في معاركهم الاسطورية، فاختلق لهم سيف من غير قبائل مضر حاشية ورعايا، ونسب إليهم أدوار ثانوية في تلك المعارك والحروب الاسطورية، فدخل في التاريخ الاسلامي من هذا النوع حشد كبير في عداد الصحابة والتابعين، ورواة الحديث إلى طبقات أخرى، وكان هذا النوع من الوضع عند سيف اختلاقاً محضاً، ولم يكن له وجود بتاتاً.

 وهناك نوع آخر مما وضعه سيف، من الاساطير حرَّف فيها وقائع صحيحة، ونسبها إلى غير أصحابها، وذلك كالفتوح التي كانت لغير مضر، فرواها سيف وعزاها لقادة من مضر، ممن كان لهم وجود تاريخي محقق، أو لمن اختلقهم ونسبهم إلى مضر لينسب تلك الفتوح إليهم.

*        *        *

ومن هذا النوع من التحريف عند سيف ما كان من شأن مؤاخذات كان يلام عليها بعض سادة مضر، فإن سيفاً قد عزاها لغيرهم سواء أكان غير المضري هذا له وجود تاريخي، أو اختلقه ليلصق به ما عيب عليه المضري، ومن هذا النوع أيضاً ما كان بين سادة

مضر أنفسهم مما كانوا يؤاخذون عليه، فان سيفاً قد حرَّف ما روي في ذلك كما فعل في ما وقع بين عائشة وطلحة والزبير وعثمان من خصومة حتّى واقعة الدار ومقتل عثمان، وما وقع بينهم وبين عليّ حتّى واقعة الجمل. فانه عالج كلّ ذلك بما اختلق من أسطورة عبداللّه بن سبأ الذي زعم أنه جاء من صنعاء اليمن وألقى الفتن في البلاد وبين العباد.

 نسب سيف إلى من تخيله عبداللّه بن سبأ ، وإلى من تخيلهم من جماعته وسمّـاهم بالسبئية تلك القضايا كلَّها وبرَّأ أولئك السادة من مضر من أوضارها. اختلق عبداللّه بن سبأ هذا ونسبه إلى سبأ نفسه ليكون ألصق باليمانية وأجلى نسبة إلى القحطانية، فإن سبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان أبو أحياء عظيمة من القحطانية، وسمّى جماعته بالسبئية وتكاد (السبئية) ترادف لفظة (اليمانية) في النسب، لتكون أشهر في يمانية أهل الفتنة!

 اختلق هذا السبائي والصنعائي اليماني لينسب إليه أنه: طوَّف في حواضر البلاد الاسلامية وعواصمها كالشام ومصر والكوفة والبصرة، وحرك الناس فيها على أمرائهم من سادة مضر، وأجَّج كلّ تلك الفتن، وأخيراً جاء بجماعته (السبئية) إلى المدينة ليحاصروا الخليفة عثمان في داره حتّى قتلوه، هذا إلى آخر ما اختلق من تلك الاسطورة كلها جعلها من أوضار اليمانية وحدهم، أمّا السادة الاركام من مضر فهم براء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب!

 أمّا من كان قد اشترك في تلك الحوادث من غير مضر كعمار بن ياسر العنسي، وعبدالرحمن بن عديس البلوي، وهما صحابيان قحطانيان، ومالك الاشتر وهو تابعي قحطاني، وغيره ممن كانوا ينتمون إلى قحطان، فإنه لايبرِّئهم من التهمة بل يُحكِمها في حقهم ويجعلهم تبعاً لابن سبأ المار ذكره.

 هكذا كان يعالج سيف ما وقع بن السادة من مضر فيما إذا كان الطرفان من أمجاد مضر، أما ما وقع بين سيّد مضري من أصحاب المجد وآخر من أفراد القبيلة فقد كان يُضحِّي أحياناً بالفرد المضري في سبيل الحفاظ على مجد مضر، وأمجاد مضر التي يتهالك سيف في الحفاظعليها تتمثل في ذوي السلطان أولاً، وبأبطال مضر المشاهير من الشجعان وقادة الفتوح ثانياً. ومن أمثلة ذلك ما وضعه في ذمّ خالد بن سعيد الاموي لمخالفته بيعة الخليفة أبي بكر (38).

أمّا ما كان بين مضري ويماني من غير الذي عالجه في أسطورة ابن سبأ، فانه كان أيضاً يضع قصصاً يحط فيها من قدر اليماني ويرفع من شأن السيّد المضري، كما فعل في قصة عزل أبي موسى الاشعري اليماني من قبل عثمان الخليفة المضري، فإنه وضع ما حطَّ من قدر أبي موسى ودافع عن الخليفة المضري (39).


33  راجع تراجم القعقاع وأبي بجيد وأبي مفرز من أبطال أساطير سيف في الفصول الاتية من هذا الكتاب.

34  المروس: المنصوب رئيسا، والثغور: المكان المحاذي للاعداء.تواكلت: يقصد أهل الثغور اتكل بعضهم على بعض، وفي الاصل: توكلت ولا معنى له هنا. والمظفار: كثير الظفر.

35  سعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص القائد العام في القادسية توفي سنة 54 أو 55 أو 58 بالمدينة (أسد الغابة 2 / 290 ـ 293)، والحمادى: نهاية الجهد.

36  الطبري ط. أوربا، 1 / 3264 ـ 3265، وط. مصر 4 / 144 في ذكر حرب القادسية عام 14 ه، وابن كثير 7 / 47.

37  الارعن: العالي الشاهق، يعني غبار الجيش. والمكفهر: الكثيف الاسود واللجب الكثير ذو الجلبة، وزرتهم: دفعتهم وازاحتهم، والرعال جمع الرعيل: الجماعة المقدمة من الجيش أو الخيل. قادس: القادسية. الخيفان مثنّى الخيف: المطمئن من الارض ومنه الخيف بمنى. والمردي: خشبة تدفع بها السفينة.

38  راجع (عبد اللّه بن سبأ) طبعة دار الكتب بيروت ص 77 حديث سيف رقم 7 في السقيفة، وص 124 موقف خالد بن سعيد الاموي.

39  راجع سبب عزل أبي موسى برواية سيف في الطبري 1 / 2899 ط. أوربا وقارنها برواية غيره أيضا في الطبري 1 / 2828 ـ 2831، وفي ترجمة شبل من الاستيعاب.