سبب انتشار حديث سيف:

 لم نقصد فيما ذكرنا إلى هنا من أسماء كتب امتدت إليها أغصان أساطير سيف الاستقصاء والاستيعاب، فإن ذلك من الامور المستصعبة، بل إن الذي ذكرناه غيض من فيض. أوردناه كأمثلة على سعة انتشار أحاديث سيف في مختلف الموسوعات الاسلامية ممّا يذهل الباحث المتتبع.

 وأمّا سبب هذا الانتشار المدهش لقصص سيف، واعتماد العلماء عليها فيعود لامور منها:

 إنَّ سيفاً وضع قصصه في التاريخ بما يساير مصالح السلطة في كلّ عصر. وذلك كنقله قصة العلاء بن الحضرمي في غزو دارين بما يحقق مصلحة السلطة. وكان أصل القصة أن العلاء تحصَّن منه جمع من المحاربين في دارين، وكان الماء يفصل بينهم فدلّه كراز النكري على مخاضة في الماء، فخاضها بجيشه ووصل إلى دارين وفتحها(41).

 هذه الواقعة رواها أبو هريرة ـ جرياً على عادته ـ بشيء من التحوير والتغيير، فقال: رأيت العلاء قطع البحر على فرسه يوم دارين، وفي رواية قطع البحر مع أربعة آلاف، فما ابتلَّ لهم خف ولا حافر! وقدم يريد البحرين فدعا اللّه بالدهناء، فنبع لهم ماء فارتووا، ونسي رجل منهم بعض متاعه فرد، فلقيه ولم يجد الماء... (42) الحديث.

 هكذا قصّها أبو هريرة قصيرة كسائر قصصه، ولما كانت مسايرة لرغبة الجماهير المتعطشة لسماع كرامات السلف الصالح فانتشرت الرواية وذاعت وتواتر نقلها عن أبي هريرة في عصر سيف وشاعت، فجاء سيف القصاص العبقري فأضفى عليها جميع عناصر القصة، ووضع سنداً للرواية وقال ما ملخصه:

 لما وصل العلاء مع جيشه إلى الدهناء، وهي أراض رملية فيها جبال من رمل وليس فيها ماء، وانتهوا إلى بحبوحتها، نفرت جميع الابل بأحمالها، فما بقي عندهم بعير ولا زاد ولا ماء، وأيقنوا بالهلاك، ووصّى بعضهم بعضاً فعذلهم العلاء على ما غلبهم من الغم، ودعا ودعوا بدعاء أورده سيف، فلمع لهم ماء فشربوا منه واغتسلوا، ثمّ أقبلت الابل إليهم من كلّ وجه فسقوها وساروا، فلما ابتعدوا عن الغدير رجع أبو هريرة وآخر معه إلى الغدير، وكان قد ترك هناك إداوة مملوءة ماء لتكون إمارة على الغدير، فوجد الاداوة هناك، ولم يجد أثراً للغدير.

 ثمّ ذكر بعد هذا ذيولاً من قصته، ثمّ قال: حتّى انتهوا إلى البحر وأرادوا العبور إلى دارين، وكانت المسافة بينهم وبين دارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر، وعلى شاطئ البحر خاطب العلاء جيشه وقال: ((إن اللّه قد أراكم من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوكم، واستعرضوا البحر)) فاقتحموا البحر، الراجل منهم، والراكب على الخيل والابل والحمير وغيرها، ودعوا بدعاء أورده سيف ثمّ قال: فاجتازوا ذلك البحر وهم يمشون على أرض مثل رملة فوقها ماء يغمر أخفاف الابل، وإنهم التقوا بالمرتدين وقاتلوهم حتّى غلبوهم، فلما فرغوا منهم رجعوا عودهم على بدئهم، فعبروا البحر كذلك، فقال العفيف بن منذر التميمي أحد أبطال أساطير سيف في ذلك شعراً أورده سيف، ثمّ قال: وكان مع الجيش راهب فأسلم لما رأى ذلك، وسمع دعاء الملائكة في الهواء. وأورد سيف دعاء الملائكة أيضاً وقال: إنَّ العلاء كتب إلى أبي بكر بذلك، فصعد أبو بكر المنبر وخطب وبشر المسلمين به... الحديث.

 إنّ سيفاً أعجب بقصة أبي هريرة الشهيرة في عصره، فأكملها بما أضفى عليها من عناصر. ورواها تامة محبوكة الاطراف، ولم يعجبه أن تنسب إلى حضرمي يماني كرامة، فعالج ذلك بما اختلق في قصة أخرى قال فيها:

إنّ العلاء كان ينافس سعد بن أبي وقاص، وإن العلاء رجح على سعد في حروب الردة، فلما ظفر سعد بفتح القادسية في حرب الفرس زمن عمر وجاء بأعظم مما فعله العلاء. أراد العلاء أن يصنع شيئاً في الاعاجم ليقابل سعداً بذلك، فندب الناس إلى غزو الفرس في البحر، وحملهم في البحر إلى فارس من غير إذن عمر، ولم يتنبه إلى أن اللّه إنَّما آتاه من الفضل في الردة بفضل الطاعة، وكان أبو بكر قد أذن له في قتال أهل الردة، وعمر كان قد نهاه عن البحر، وقال سيف: فلما عبر البحر إلى فارس وتقابل الجيشان، حال الفرس بينه وبين سفنهم، وخذل المسلمون لمعصية العلاء للخليفة، ولولا أن تداركهم اللّه بلطفه عليهم أجمعين. فإنَّ الخليفة لما بلغه نبأ عبوره البحر وقع في نفسه أن العلاء سيخذل لعصيانه إياه، فبادر إلى عزله وتولية غيره القيادة، وأمدَّهم برجال، فأنقذ اللّه ذلك الجيش ببركة رأي الخليفة... الحديث.

 إذن فما ذكر أبو هريرة للعلاء من كرامة في غزوة دارين كان من آثار طاعته للخليفة، وأصيب هذا الصحابي الكريم بنكبة فادحة لما عصا سلطان عصره.

 كانت أمثال هذه القصة في مختلقات سيف تساير مصلحة السلطة في كلّ عصر، ونرى أن ذلك كان من أهم عوامل انتشار أساطير سيف وإهمال غيرها من المدونات التاريخية.

 والثاني من أسباب انتشار أحاديث سيف أنه وضع قصصه مسايرة لرغبة الجماهير مدى العصور. ففي أحاديث سيف يجد عبدة السلف الصالح ضالتهم من كرامات للسلف، وخرقهم لنواميس الطبيعة، وإعانة الجن والملائكة لهم وتكليم الحيوانات إياهم، وبطولاتهم الفذة!

ويجد المتأدبون قصائد وخطباً في الفخر والحماسة، وكتباً ومعاهدات في الحرب والصلح، وفي كلّ ذلك يجد مؤرخو الاسلام نوادر تاريخية، والمترفون قصصاً وصفية. لقضاء ليالي السمر في عصور تبارى فيها القصاصون بسرد أساطير كقصص عنترة بن شداد، وأبي زيد السروجي، والف ليلة وليلة، ونظائرها إشباعاً لرغبة الامراء والنبلاء وأصحاب الثراء والجدة مما دفع أصحاب الفكر إلى أن ينشروا أفكارهم بأسلوب محاورة وأساطير، وفنشر إخوان الصفا أفكارهم بأسلوب رسائل، وقام ابن طفيل بوضع قصة حي بن يقظان، وابن المقفع بترجمة كتب نظير كليلة ودمنة وبزَّ سيف بن عمر كلّ هؤلاء في ما وضع وألّف لنشر أفكاره وتحقيق أهدافه، وانتشرت موضوعاته وراجت أكثر من كلّ ما عداه. كلّ ذلك لان الحكام وجدوا في أحاديث سيف ما يرغبون، وعوام الناس ما يشتهون، وطبقات العلماء والمتأدبين ما يبحثون عنه ويجمعون، وبذلك جعل كلّ هؤلاء يروون أحاديثه زهاء اثني عشر قرناً، كذلكم انتشرت أحاديثه بينما ذهبت في زوايا النسيان أحاديث غيره.

 وتتجلّى عبقرية سيف ـ مضافاً إلى ما سبق ـ في قدرته على أن يجعل تحقيق هدفه مسايراً لرغبة كلّ هؤلاء الجماهير، فهو إذ يحقق أماني الجميع في أحاديثه يجعل من كلّ ذلك سجل فخر لقبيلة مضر عامة، ولبطون تميم خاصة مع تصغير قدر من ناوأهم!

 وهذا كلّه واضح للباحث في أحاديث سيف. غير أن في أحاديث سيف من الدسِّ والاختلاق ما لا يحقق شيئاً مما ذكرنا، وهذا ما ينبغي الانتباه له!

 فما الداعي لسيف ـ وهو الذي نراه لايضع ولا يحرِّف إلاّ لتحقيق غاية ـ.

 ما الداعي له إلى تحريف سني الحوادث التاريخية فيؤرخ وقوع الحوادث في عام غير عام وقوعها (43

 وما الداعي له لتغيير أسماء أشخاص كتسمية عبدالرحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين عليّ: بخالد بن ملجم (44

 وما الداعي له إلى تسمية (عبد المسيح بن عمرو) الذي فاوض خالد بن الوليد في فتح الحيرة بـ (عمرو بن عبد المسيح).

 وما الداعي له إلى وضع حديث يقول فيه: إن الخليفة عمر طلب من زوجه أم كلثوم إبنة الامام عليّ (ع) أن تجلس مع ضيفه على مائدة الطعام، (فقالت لو أردت أن أبرز للرجال لاشتريت لي غير هذه الكسوة)؟ (45).

 أصحيح أن خليفة المسلمين عمر طلب إلى زوجه أن تجالس الرجال وتواكلهم، وإن الذي منعها من ذلك عدم لياقة ثيابها للجلوس مع الرجال!!!؟

 هذه الموضوعات ونظائرها في أحاديث سيف لا تحقق شيئاً مما عرفنا من أهدافه! إلاّ إذا صحّ ما نعتوه به من أنه كان زنديقاً (46) وإن صحَّ ما نسبوا إليه من الزندقة فانه كان يرمي من وراء كلّ ما وضع وما اختلق إلى تحريف التاريخ الاسلامي ومسخه! ولاينبغي أحياناً شيئاً مما حرَّفه عن حقيقته إلاّ كرهاً وعداء منه للاسلام، وقد نجح في التحريف نجاحاً منقطع النظير، سوأ أكان ذلك بدافع الزندقة والعداء للاسلام، أم أن الغفلة وعدم التحرز من الكذب أدّيا به إلى ذلك، ومهما كان السبب فان سيفاً استطاع أن يحرِّف التاريخ الاسلامي في الردة والفتوح والحوادث الواقعة إلى عصر أمير المؤمنين عليّ.

 وأصبح ما اختلقه سيف هذا هو التاريخ الرسمي للصحابة ولما قاموا به من حروب، ومن نتائج ما وضعه سيف في وصف هذه الحروب انتشر بين المسلمين وغير المسلمين أنَّ جيوش المسلمين قتلوا أُلوف الاُلوف في حروبهم، وأن الاسلام انتشر بحدِّ السيف وإراقة أنهار من دماء البشر، بينما كان الواقع أن الشعوب نفسها كانت تقف إلى جانب الجيوش الاسلامية ضد حكّامها الظالمين، وبذلك انتشر الاسلام لا بما ذكره سيف.


40  الحميري هو أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الحميري له كتاب ((الروض المعطار في أخبار الاقطار)) مخطوط بمكتبة شيخ الاسلام في المدينة المنورة.

41  راجع كتاب (عبد اللّه بن سبأ) ط. بيروت ص 159 ـ 163.

42  الذهبي، سير أعلام النبلاء 192، و((طبقات ابن سعد)) 4 / 362.

43  راجع فصل ((تحريف في سني الحوادث)) ص 152 من (عبد اللّه بن سبأ) ط. القاهرة.

44  الطبري ط. أوربا 1 / 2222 و 2944 و 3163.

45  الطبري ط. أوربا 1 / 2702.

46  راجع ((آراء العلماء في سيف)) في فصل ((ترجمة سيف)) من (عبد اللّه بن سبأ) ط. بيروت.