خلاصة البحوث:
وجدنا العلماء ينعتون سيفاً بأنه وضّاع للحديث متّهم بالزندقة،
ووجدنا وطن سيف العراق يتميز في عصر سيف بانتشار الزندقة فيه، ووجدنا
زنادقة عصره ساعين دؤوبين في كلّ ما يزعزع عقائد المسلمين ويهدم بناء
مجتمعهم. فمنهم من يضع الاحاديث للتشويش عليهم في دينهم، ومنهم من
يصرِّح ساعة قتله أنه وضع أربعة آلاف حديث يحرِّم فيها الحلال
ويحلِّل فيها الحرام، ولا نعلم أين ذهبت تلك الاحاديث غير الذي
وجدناه عند سيف. وقد درسنا أحاديثه فوجدناه قد وضع آلافاً من
الاحاديث أبرز فيها أورع أصحاب رسول اللّه سخفاء جناة، والمغموصين في
دينهم ذوي حجى وورع ودين! استطاع أن يدخل أساطير خرافية في التاريخ
الاسلامي شوه بها الحقائق الاسلامية وأثر بها على عقائد المسلمين
وعلى رأي غير المسلمين في الاسلام! اشترك سيف في هذا مع غيره من
زنادقة عصره، وامتاز عليهم بأنَّ جُلَّ ما وضع من حديث فيه تأييد
للسلطة القائمة في عصره، والحط من مناوئيها وبذلك كسب حمايتها
لموضوعاته، وكسب رواجها إلى اليوم. بالاضافة إلى مجاراته في ما وضع
لنفوذ القبلية في عصره، وجنوحه هو بنفسه إلى العصبية النزارية عصبية
قبيلة السلطة القائمة مدة خلافة الراشدين والامويين والعباسيين.
ووجدنا المجتمعات الاسلامية في عصر سيف تتمخض عن أحداث ضخام بتأثير
تلك العصبية؛ فقد أجرت العصبية دماء غزيرة في البلاد الاسلامية حتّى
قوضت الخلافة الاُموية، وأقامت الخلافة العباسية على أنقاضها. وكان
وقود تلك الفتن ما يضعه الادباء من قصائد في الفخر والحماسة، ونجد
اليوم في دواوين الادب كثيراً من ذلك التفاخر والتكاثر، وقد أدى
بعضهم إلى ان يضع قصصاً تاريخية وأحاديث دينية في مآثر قبيلته، ولم
يبلغ في ذلك أحد شأو سيف بن عمر، فإنه اختلق اُمّة من الشعراء في
كتابيه (الفتوح) و(الجمل) يدافع كلّ واحد منهم في شعره عن أمجاد مضر
عامة وفرع تميم خاصة، واختلق جمعاً كثيراً من الصحابة وجعلهم قوّاداً
للفتوح ورواة الحديث وجعلهم صحابة ينتمون إلى قبيلته تميم.
ووضع لبيان بطولاتهم قصصاً حربية في الردة والفتوح لم تقع، ومواقع
حربية لم تكن، وللتدليل على بطولاتهم ذكر في تلك الحروب عدداً للقتلى
والاسرى بلغ ألوف الالوف، ولم يكن لذلك العدد من النفوس وجود في تلك
الاماكن لتقتل أو لتؤسر، ووضع على لسان أبطال أساطيره قصائد في الفخر
والحماسة والوصف والهجاء، وافتعل كتباً صدرت إليهم من الخلفاء وأوسمة
منحوا إيّاها، كما افتعل معاهدات وقع بينهم وبين أهالي البلاد
المفتوحة ولم يقع شيء منها، ودوَّن من كلّ ذلك سجل فخر لمضر، ثمّ
لتميم، ثمّ لبني عمرو (البطن الذي ينتمي إليه سيف)، ولم يكتف بهذا
حتّى اختلق هواتف من الجن تنشد الشعر في مآثر تميم.
ولمّا كان أبطال أساطيره بحاجة إلى جنود وأتباع في معاركهم
الاسطورية؛ اختلق لهم من غير قبائل مضر حاشية وأتباعاً، ونسب
إليهم أدواراً ثانوية في تلك المعارك، فدخل في
التاريخ الاسلامي منهم حشد كبير في عداد الصحابة. والتابعين ورواة
الحديث، إلى طبقات أُخرى، وكان هذا النوع من الوضع عند سيف اختلاقاً
محضاً لم يكن له وجود البتة.
ووضع أساطير أخرى حرّف فيها وقائع صحيحة نسبها إلى غير أصحابها.
كالفتوح التي كانت لغير مضر فإنَّه رواها ونسبها لقادة من مضر ممن
كان لهم وجود تاريخي محقق، أو لم اختلقهم ونسبهم إلى مضر.
ومن
هذا النوع من التحريف ما ومضع في علاج مؤاخذات كان يلام عليها بعض
سادة مضر، فإنَّه قد عزاها لغيرهم، سواء أكان غير المضري هذا له وجود
تاريخي، أم كان ممّن اختلقه ليلصق به ما عيب عليه المضري.
ومن
هذا النوع من التحريف ـ أيضاً ـ ما عالج به ما وقع بين سادة مضر
أنفسهم مما كانوا يؤاخذون عليه، فإنَّه قد حرّف ذلك في ما روى من
حديث، كما فعل في رواية ما وقع بين عائشة وطلحة والزبير وعثمان من
خصومة حتّى مقتل عثمان، وفي رواية ما وقع بينهم وبين عليّ إلى واقعة
الجمل، فانه عالج كلّ ذلك بما اختلق من أسطورة ابن سبأ الذي زعم سيف
أنه جاء من اليمن وألقى الفتن في البلاد وبين العباد!
نسب
سيف إلى هذا وإلى من سماهم بالسبائيين تلك الفتن كلها.
وبرّأ أولئك السادة من مضر من أوضارها، اختلق ابن سبأ هذا ونسبه إلى
سبأ، وسمّى جماعته بالسبئية ليكون أوضح في يمانية أهل الفتنة!
أمّا من اشترك في تلك الحوادث من غير مضر كعمار، وابن عديس والاشتر،
وغيرهم ممّن ينتمون إلى قبائل قحطان، فإنَّه لم يُبرِّئهم منها، بل
أحكمها في حقهم، وجعلهم تبعاً لابن سبأ.
هكذا عالج سيف ما وقع بين السادة من مضر في ما إذا كان الطرفان من
ذوي أمجاد مضر، أما ما وقع بين سيّد مضري من أصحاب المجد، وآخر من
أفراد القبيلة، فإنَّه يضحّي أحياناً بالفرد المضري في سبيل الحفاظ
على أمجاد مضر. وأمجاد مضر التي يتهالك سيف في الحفاظ عليها، تتمثل
في كرامة ذوي السلطة أولاً، وكرامة أبطال مضر من مشاهير الشجعان
وقادة الفتوح ثانياً.
ومن
أمثلة ذلك ما وضعه في ذم خالد بن سعيد الاموي لمخالفته بيعة الخليفة
أبي بكر، وما وضع في حق مالك بن نويرة للحفاظ على كرامة خالد بن
الوليد المضري.
أمّا ما وقع بين فرد مضري وآخر يماني من غير الذي عالجه في أسطورة
ابن سبأ فإنَّه ـ أيضاً ـ وضع قصصاً حطّ فيها من قدر اليماني، ورفع
من شأن السيّد المضري، كما فعل في قصة عزل أبي موسى اليماني من قبل
الخليفة المضري عثمان.
فنتج عن ذلك كله وضع تاريخ كله اختلاق، واختلاق شخصيات إسلامية من
صحابة وتابعين ورواة للحديث وقادة للفتوح وشعراء الفخر والحماسة إلى
غيرهم ممن لم يكن لهم وجود خارج أساطيره، فذهبت تراجمهم وانتشرت
أخبارهم في الموسوعات الشهيرة، وعشرات من مصادر الدراسات الاسلامية،
ذكرنا ستين منها، في ما سبق.