الافتتاح

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

 الحَمدُ للّه رَبِّ العَالمين، وَالصَّلاة عَلى خَاتم أنبيَائِه محَمّد وَآلهِ الطَّاهرين وَالسَلام عَلى أصحَابه الميَامين وَأزوَاجهِ أمّهَات المؤمنِين وعَلَى جَميع عبَاد اللّه الصَالحِين. إلى قيَام يَوْم الدّين. 

بسمه تعالى

  خلال ربع قرن مضى تسلمتُ من أساطين البحث وفطاحل العلم رسائل كثيرة، حوت غالباً ثناء على ما نشر من مؤلفاتي وإخباتاً إلى الحقّ، وأحياناً أسئلة حول ما ورد فيها من بحوث، وآونةً استغراباً من نتائج تلك البحوث وانتقاداً.

 وكنت أُجيب على الكتاب بكتاب، وعلى الاسئلة بتوضيح، وعلى الانتقاد بجواب، ولمّا كنت بادئ ذي بدء أرى في نشر تلكم الكتب وأجوبتها تبجُّحاً غير محمود له، لم أهتم بحفظ صورة من أجوبتي إليهم، وفقدت جُلّها كما فقدت بعض كتبهم إليّ نتيجة عدم الاحتفاظ بها بعد الاجابة عليها، وبعد مضي عدة سنوات رأيت في نشرها تسجيلاً للتاريخ الفكري المعاصر، واحتفاظاً بها للاجيال القادمة، وتخليداً لذكر الاعلام الاجلاء المقرِّظين والمناظرين والمنتقدين، وتقديم شكر على نقدهم وتقريظهم وثنائهم، ورأيت أنَّ في إهمال ذلك تقصيراً في أداء حقهم فقمت بنشر بعضها في ما سبق، وفي ما يلي أسجل بعضاً منها:

*        *        *

 ـ مقال الاستاذ جعفر الخليلي:

 رائد الادب القصصي في العراق الاستاذ جعفر الخليلي صاحب جريدتي الراعي والهاتف ومجلّدات: (هكذا عرفتهم) و (في قرى الجنّ) والموسوعة الفخمة (موسوعة العتبات المقدّسة) وغيرها من الاثار العلميّة والادبيّة، كتب المقال الاتي:

  

خمسُون وَمائة صِحَابي مختلق

 كتاب هو الاول من نوعه يستعرض سيرة 39 صحابياً من أصل 150 صحابياً لم يكن لهم وجود في الاصل وإنّما خلقهم وألبسهم لباس الصحابة ونسب لهم من الاحاديث ما نسب هو رجل واحد اتهمه علم الرجال والنسّابون والمحققون: بالزندقة والتزوير والتلفيق وأقل ما قيل عنه: إنّه ضعيف الرواية لا يُعوَّل عليه.

هذا الكتاب من تأليف العالم الجليل البحّاثة السيّد مرتضى العسكري عميد كلية أصول الدين والمرجع الديني في قسم كبير من مدينة بغداد والكاظمية.

وللسيّد العسكري ميزة قلّما وجدت في المؤلّفين البحّاثين فضلاً عن مؤهلاته العلمية وما يتمتع به من قابلية تثير الاعجاب، وهي أنّه حين يتصدى للبحث يتصدى وهو كامل العدة لاينقصه شيء لكي يمشي في بحثه غير متأثر بمبدأ أو عاطفة أو غرض غير غرض العلم، وان نسيان العاطفة هذه وتركها في الصندوق أو على الرف إلى حين الفراغ من البحث في بطون التاريخ ليست بمقدور كلّ أحد، لان الكثير من الباحثين والمدققين يريدون أن يكتبوا التاريخ كما يحبون هم أن يكتب، وكما يميلون أن تكون قد وقعت حوادثه، لذلك قل عدد الذين نشّأوا أنفسهم تنشئة علمية وروَّضوا أقلامهم على تسجيل الوقائع دون ميل إلى صف أو أخذ شيء بنظر الاعتبار غير الحقائق الملموسة والمستندة إلى الواقع العلمي والمنطق الذي يقاس به المعقول من الامور.

وعلى ضوء هذه المبادئ التي مشت عليها القلة في الدرس والتمحيص. درس السيّد العسكري سيرة (عبداللّه بن سبأ) الشخصية التاريخية الوهمية التي اختلقها سيف بن عمر التميمي فأخرج لنا كتاباً باسم (عبداللّه بن سبأ) هو الحلقة الاولى من سلسلة (دراسات في الحديث والتاريخ) وعرض فيه ترجمة سيف بن عمر التميمي وأقوال المحدثين الثقات عن أحاديثه وتلفيقاته، واتهام المؤرخين له بالزندقة ووضع الاحاديث الملفقة، ثمّ راح يتتبع سيرة عبداللّه بن سبأ في سياق الاخبار الواردة حتّى أوصل روايات عبداللّه بن سبأ وأخباره إلى سيف بن عمر، وأورد الكثير من نصوص المؤرخين وعلى رأسهم ابن جرير الطبري فإذا بها عين النصوص التي أوردها سيف بن عمر ثمّ تنقطع أخبار عبداللّه بن سبأ عن غير طريق سيف بن عمر التميمي.

 صحيح أن عدداً من المحققين القدماء قد التفت إلى شخصية ابن سبأ الوهمية ووضع سيف بن عمر الاخبار على لسانها، وان من المتأخرين الذين أشاروا إلى وهمية وجود ابن سبأ كان عميد الادب العربي الدكتور طه حسين، ولكن لم يتصدّ أحد ـ لا من المتقدمين ولا من المتأخرين ـ للتغلغل في سيرة هذا الرجل الوضّاع أعني به سيف بن عمر الَّذي يخلق الاشخاص ويضع على ألسنتهم الاحاديث وينسب لهم الاشعار، حسب ميوله وأهوائه وأهدافه التي

ينشدها، على رغم ما اتصف به من الكذب والاختلاق والزندقة. فكان السيّد العسكري أوّل باحث تتبع أخبار ابن سبأ ووضع أمام القراء كيفية اختلاق سيف بن عمر لها حتّى حسبها الناس (الذين ليس لهم بالتحقيق والتدقيق صلة أو بعض صلة) أنها حقائق ناصعة لا تقبل التشكيك.

 والسيّد العسكري وهو يبحث سيرة سيف بن عمر العبقري الخلاّق لفتت نظره أحاديث ملفقة وضعت على ألسنة جمهرة من الصحابة والتابعين ترجع كلها إلى وضع سيف بن عمر التميمي!!. فما كاد ينتهي من كتابة (عبداللّه بن سبأ) حتّى شرع في تحقيق تلك الاخبار ورواتها، وقد قطع نحو خمس سنوات متواصلة في تقليب صفحات التاريخ بحثاً عمن ورد اسمه من الصحابة فإذا بمائة وخمسين صحابياً روى عنهم سيف بن عمر دون أن يكون لهم وجود، وكان أغلب هذه الاحاديث التي ذكرها سيف هذا مختلقة من أصلها دون أن يكون لها أساس غير خيال سيف، وبعضها كان

له بعض الاساس فأضاف إليه سيف من عندياته ما جعله خبراً بشكل آخر يختلف عمّا كان قد جاء في مغازيه وأهدافه. وكثيراً ما يضع سيف السند ناسباً إياه إلى محدِّث معروف متصل بمحدِّث معروف حتّى يصل به في النهاية إلى الصحابي المختلق الذي ليس له وجود في غير خيال سيف، وحين يمعّن المؤرّخ المدقِّق في الخبر يجد أن هذا السند مكذوب على أولئك الثقات الذين زعم سيف أنّه مستقىً منهم لانّ مثل ذلك الخبر لم يروه غير سيف ولم يجئ في الغالب في سند أولئك عند المحدّثين وناقلي الاخبار.

 وان مثل هذا التحقيق الذي قام به فضيلة السيّد العسكري لا يخلو من صعوبة لجمع متفرغ من المؤلفين والبّحاثين فكيف بمؤلف واحد له من المسؤوليات في عدد من الشؤون ما يشغل أكثر أوقاته؟  ومن حسنات هذا الكتاب الجليل ودقته في البحث هو أنّه أثبت فصولاً وافية كافية عن الاشخاص الواردة أسماؤهم ومواطن ورودها ومصادر أبحاثها بحيث يغني القارئ  عن البحث والتدقيق ويزيل عن ذهنه أي شك أو شبهة عن أي فصل من الفصول الواردة في هذا الكتاب؛ عن الصحابة الذين اختلقهم سيف بن عمر والاحاديث التي نسبها هذا الخلاّق البارع لهم والشعر الذي أنحلهم إيّاه، وقد تناول المؤلف في هذا الجزء من الكتاب تحقيق الصحابة المختلقين التالين:

 الذين اختلقتهم مواهب سيف بن عمر التميمي وهم:

 القعقاع بن عمرو بن مالك التميمي، وعاصم بن عمر بن مالك التميمي، والاسود بن قطبة بن مالك التميمي، وأبو مفزر التميمي، ونافع بن الاسود بن قطبة ابن مالك التميمي، وعفيف بن المنذر التميمي، وزياد بن حنظلة التميمي، وحرملة بن مريطة التميمي، وحرملة بن سلمى التميمي، والربيع بن مطر بن ثلج التميمي، وربعي بن الافكل التميمي، وأط بن أبي أط التميمي، وسعير بن خفاف التميمي، وعوف بن العلاء الجشمي التميمي، وأوس بن جذيمة التميمي، وسهل بن منجاب التميمي، ووكيع بن مالك التميمي، وحصين بن نيار الحنظلي التميمي، والحارث بن أبي هالة التميمي، والزبير بن أبي هالة التميمي، وطاهر بن أبي هالة التميمي، وعبيد ابن صخر أبو لوذان السلمي، وعكاشة بن ثور الغوثي، وعبداللّه بن ثور الغوثي، وعمرو بن الحكم القضاعي، وامرؤ القيس الكلبي، ووبرة بن يحنس الخزاعي، والاقرع بن عبداللّه الحميري، وصلصل بن شرحبيل، وعمرو ابن المحجوب العامري، وعمرو بن الخفاجي العامري، وعوف الوركاني، وعويف الزرقاني، وقضاعي بن عمر، وخزيمة بن ثابت الانصاري، وبشير بن كعب.

 ويسوق المؤلف في مقدمة الكتاب عرضاً للظروف التي كانت تحمل المؤرخين بأن يضعوا التواريخ على خلاف الواقع، ولم تزل هذه الظروف منذ أقدم العهود حتّى اليوم تحمل الكثير من كتّاب التاريخ على أن يسطروا الوقائع على خلاف حقيقتها تنفيذاً لغاياتهم وفي مقدمتها مسايرة مصالح السلطات للافادة من ذلك. وإذا علمنا أن العصبية القبلية كانت في أشد عنفها في القرون ما قبل الاسلام وفي القرن الاول الهجري وما بعده؛ أدركنا لِمَ كان سيف التميمي يخلق قسماً كبيراً من الصحابة فيجعلهم تميميين ويجعل أول ناصر لرسول اللّه تميمياً قبل أقرب الناس إلى النبيّ ويجعل أول شهيد في الاسلام تميمياً، ثمّ يختلق ربيباً من بني تميم لرسول اللّه بل لا يكتفي بربيب واحد حتّى يثنيه بآخر كما يذكر ذلك المؤلف، مما خفي أمر هذه الاخبار على كثير من الرواة الذين لم يتعمقوا في دراسة الاخبار وتمحيصها وتتبع أصولها، هذا بالاضافة إلى ما اتهم به سيف بن عمر التميمي بالزندقة التي تبيح له بل وتدعوه إلى أن يدسّ أفكاره وآراءه المجانبة لروح الاسلام دسّاً يحقق فيه أغراضه المختلفة، ولما كان سيف بن عمر التميمي ذا موهبة جدّ عالية ومقدرة فائقة فقد استطاع أن يخرج أفكاره على هيئة أحاديث وروايات يسند بعضها إلى رواة من مبتدعات خيالية، ويسند البعض الاخر إلى رواة معروفين فينسب إليهم ما يراه وهم أموات ليس فيهم من يكذب له هذه النسبة وينفي عن نفسه الرواية.

 هذا كتاب فتح لنا باباً جديداً في عالم التحقيق والتمحيص، وهو أول نهج من نوعه في تقليب صفحات التاريخ وتمحيصها، وغربلة الروايات بطريقة علمية بعيدة عن الاهواء والميول والعواطف، الامر الذي يستدعي تسطير الاعجاب كلّ الاعجاب، إلى سماحة مؤلفه العالم الكبير السيّد مرتضى العسكري، راجين متابعته في إخراج الاقسام الاخرى من تحقيق روايات سيف في أمر بقية الصحابة، شاكرين له عظيم مجهوده الذي يحكي مجهود رهطٍ من خيار العارفين والمطلعين من العلماء المحققين.

 بغداد     

جعفر الخليلي

   الدكتور  جيمس رابسن(1)

 ولد عام 1890 م، في انجلترا.

المؤهلات العلمية: دكتوراه في اللغة العربية والالهيات.

 ماشغله من مناصب:

* رئيس لجنة التحقيق في اللغة العربية بجامعة جلاسكو والامين العامل لمستشرقين فيها.

* أُستاذ كرسي اللغة العربية في جامعة مانشستر.

* الممتحن الخارجي لدورة الدكتوراه في جامعات: كمبردج، ملبورن، أدمبورن، سينت اندرسون، ولندن.

مؤلفاته:

* مقارنة الثقافة الاسلامية بالاديان الاُخرى.

* مقدّمة في علم الحديث.

* ترجمة مشكاة المصابيح وتحشيته.

* مؤلفات أُخرى.

 مقال المستشرق البريطاني جيمس رابسن

 السيّد مرتضى العسكري المحترم.

تسلّمت في أواسط أغسطس الماضي نسختين من مؤلفيكم ((عبداللّه بن سبأ وأساطير أخرى)) و ((خمسون ومائة صحابي مختلق ـ القسم الاول)) وكتبت لكم في حينه أنّي كبير السنّ ولا أتمتع بصحة تامة ولهذا فإنّي بحاجة إلى وقت أطول لدراسة الكتابين وقد أخذا مني وقتاً أكثر مما كنت أحسب لكني قرأتهما مرتين برغبة شديدة وأشعر الان أنّه يجب عليّ أن أكتب بشيء من التفصيل لاُعبّر عن إعجابي من المنهج المتبع ودقّة التحقيق المشهود فيهما غير أنّه ينبغي لي وأنا في هذه السن ولا أثق بأن يتاح لي من العمر ما أستطيع فيه الكتابة ألاّ أتأخر عنها.

وفي الكتاب الاول أعجبت من البحث والمفصل عن منشأ أسطورة عبداللّه بن سبأ والاسطورة السبائية وكان قد تسلسل البحث القيّم عن الكتّاب القدامى والمتأخرين في الشرق والغرب والمصادر التي اعتمدوها، وكان جدول صفحة (57) يساعد كثيراً على إرائة مصادر روايات سيف الرئيسة وكيف اعتمد عليها الكتّاب المتأخرون الذين يعتمد بعضهم على الاخر فيما يكتبون.

 وتأتي بعدئذ قائمة أسماء جماعة من علماء آخرين ممن ذكروا آراءهم في قيمة روايات سيف بَداً من أبي داود (ت: 275ه، وذكر في الكتاب خطأ 316ه) إلى ابن حجر (ت: سنة 852ه) كلّ أولئك انتقدوا سيفاً بكلمات مثل: ((ضعيف)) ((متروك الحديث)) ((ليس بشيء)) ((كذّاب)) ((متّهم بالزندقة)) وغيرها، استعملوا هذه الكلمات في نقده واتفقوا على عدم اعتبار رواياته وحتّى على كذبها وهذا برهان بالغ الاهمية. ومع أني لاحظت أن العلماء القدامى لايتفقون في دراساتهم لرواة الحديث غير انّا وجدناهم هنا متّفقين حول سيف وهذا ما يجعل الشخص يتعجب من الكتّاب الذين جاءوا بعد سيف وأنّهم كيف رضوا لانفسهم أن يقبلوا أساطير سيف.

 وأرغب هنا أن أشير إلى تأريخ الطبري الذي لا يتردّد في نقل روايات سيف أن تأريخه ليس عملاً تأريخياً في الاساليب الحديثة للكتابة، ويبدو أن غرضه الرئيسي جمع الروايات التي كانت بمتناول يده معتقداً أنه ليس من الضروري إبداء رأي ما في قيمتها، وعلى هذا فللشخص أن يرى بعض رواياته أقل اعتباراً من روايات الاخرين، ومع ذلك فلنا أن نعذره على اتباعه منهجاً غير مقبول اليوم فانه على الاقل قد جمع كمية من الاخبار، وتبقى تلك الاخبار لمحقق فطن كشخصكم ليقوم بتمييز صحيحها من سقيمها، وان دراستكم لبعض المواضيع التي ذكرها سيف تهدي بأسلوب مؤثر كثيراً إلى تقييم روايات سيف أولاً، ثمّ إلى مقارنتها لرواة آخرين تلك المقارنة الدقيقة التي استوعبت السند والمتن معاً، وكشف البحث أن سيفاً غالباً ما نقل عن رجال ـ رواة ـ مجهولين، ويبعث على التساؤل بأن غير سيف من نقلة الاخبار لماذا لم ينقلوا من أحد من أولئك المجهولين ويدل على أن سيفاً قد اختلقهم، وهذا الاتهام الجاد منطقي بمقارنة روايات سيف بروايات غيره.

 أشير في الكتاب إلى معجزات ذكرت في أساطير سيف والتي يصعب تصديقها مثل: تحول رمال الصحراء إلى مياه للجيش الاسلامي ومياه البحار إلى رمال وأن الابقار أخبرتهم عن مخابئها إلى غير ذلك. وكان من السهل في عصر سيف أن ينجح في سرد أساطيره كوقائع تأريخية، ولكن من الطبيعي في هذا اليوم أن لا يقبل الباحث المحقق تلك الاساطير. وأقيم في الكتاب البرهان القاطع على أن أخبار سيف حول ((ابن سبأ والسبئية)) غير حقيقية تماماً.

 وما أراه أن دراسات بعض المستشرقين بنيت على أخبار سيف نظير القول بأن عدداً ضخماً من الناس قتلوا في الحروب الاسلامية الاولى، وفكرة أن اليهودي المجهول ـ ابن سبأ ـ استطاع أن يندس بين صحابة النبيّ ويغويهم وأن يحرض الناس على الثورة ضد عثمان ويسبِّب قتله، ويحرض على المعركة التي شغلت عليّاً مع طلحة والزبير ـ يوم الجمل ـ فمن الجائز أن يصح بعضه وليس كله(2) كما يظهر ذلك من الفصل المعقود بمادة (عبداللّه بن سبأ) من الطبعة الاولى والثانية من دائرة المعارف الاسلامية.

 صرف سيف وقتاً طويلاً في اختلاق أبطال أُسطوريين من تميم القبيلة التي يرجع إليها أصله، لكن ((السير ويليام موير)) ذكر سابقاً كيف استسلمت تميم في عصر الردّة لجيوش الخليفة الاول، وجلب ((السير توماس آرنولد)) الانتباه إلى أن الفتوح الاولية لم تستهدف نشر العقائد الدينية بل قصدت توسعة نفوذ الحكومة الاسلامية(3).

 في الكتاب الثاني جلب الانتباه إلى هذه الحقيقة: أن سيفاً عاش في الكوفة في الربع الاول من القرن الثاني الهجري وأنه ينتمي إلى تميم إحدى قبائل مضر وهذا يساعد الشخص لدراسة أهدافه ودليل مؤثر لفهم أساطيره، وفي الكتاب بحث حول الزنادقة والمانوية وأن العصبية القبلية كانت قائمة منذ عهد الرسول إلى العصر العباسي وقد عاش سيف في ذلك العصر.

 كان سيف يمجّد القبائل الشمالية ـ قبائل مضر ـ مختلقاً أبطالاً أُسطوريين ـ منهم ـ وشعراء يمجّدون قبيلة الابطال، وصحابة للنبيّ من قبيلة تميم، وحروباً ومعاركا لم تقع، وملايين من القتلى وعدداً كبيراً من الاسرى لغرض تمجيد الابطال الاُسطوريين الذين اختلقهم، وأشعاراً خيالية نُسبت للابطال الاسطوريين الممجدين من مضر ثمّ تميم ثمّ بني عمرو فرع القبيلة التي يرجع أصله إليها، ونسب سيف قيادة الجيوش في بعض الفتوح إلى رجال من مضر بدلاً من قادة تلك الفتوح الذين كانوا من غير مضر، وكان قواده الخياليون أحياناً أناساً حقيقيين وأخرى أسماء أخرجها من مخيّلته. وبرهن البحث على أن قسماً من أخباره كان للتشويش على عقائد الكثيرين، وقسماً لاعطاء غير المسلمين فهماً خاطئاً ـ عن الاسلام ـ وكان بارعاً في مزيّفاته إلى حدّ انهم تقبَّلوها كحقائق تاريخية.

 هذه خلاصة موجزة من جرائم أدانت سيفاً.

 ترجم القسم الرئيسي من الكتاب 23 رجلاً ـ صحابياً مختلقاً ـ بالتفصيل معطياً أمثلة من أساطير سيف، ومبيِّناً كيف يخالف سيف المصادر الاصلية لا في المتن فحسب بل وفي السند أيضاً وذلك بإيراده أسماء أناس غير موجودين ـ كرواة لرواياته ـ. صنع الكتاب بتفصيل فائق مقدماً برهاناً قاطعاً ضد ما كان يعوّل عليه من أساطير سيف رغم أن مشاهير المؤرخين أوردوا أخبار سيف في كتبهم، ودرس في الكتاب كتابي سيف ـ ((الفتوح)) و ((الجمل)) ـ بالتفصيل وأظهر البحث أنّهما كبقية الاساطير غير موثوقين وان من جاء بعد سيف اقتبس منهما.

 هذه دراسة عميقة جدّاً مع قدرة فائقة على الملاحظة والنقد. أنا شاكر جدّاً لامتلاكي الفرصة لصرف الوقت الكثير على دراسة البراهين التي أعجبتني وأقنعتني تماماً وأنا متأكد من أنَّ كلَّ من يدرس هذين الكتابين بذهنية متفتحة سوف يُقدّر بطيب نفس قوة البراهين حقّ قدرها.

مع جزيل الشكر لارسالكم لي الكتابين، وابداء عذري على حساب سني وأعراض أخرى أدّت إلى تأخير الجواب.

مخلصكم      

جيمس رابسن   

1 /7 / 1974 م


1  نقلا عن كتاب WHO IS WHITTLE.

2  ان الاستاذ المستشرق قد قرأ الجزء الاول من كتاب ((عبداللّه بن سبأ)) وقد أقيم الدليل فيه على أن المستشرقين بنوا أبحاثهم حول ((ابن سبأ والسبئية)) على روايات سيف واشير فيه ـ أيضا ـ الى أنّهم استنتجوا من رواياته ان الاسلام انتشر بالسيف والدم وأقيم الدليل على ذلك في الجزء الثاني منه والذي لم يقرأه حتّى الان.

3  قد بحثنا في الجزء الثاني من كتاب ((عبد اللّه بن سبأ)) بحثا ضافيا عن خطأ معلومات المستشرقين حول الفتوح الاسلامية لانها بنيت على روايات سيف الموضوعة.