عوداً على بَدء:

 نرى أن سبب انتشار أحاديث سيف هذا الانتشار المدهش، واعتماد العلماء عليها ـ مضافاً إلى ما سبق ذكره ـ أمور، منها:

 أنَّه وضع قصصه بشكل يساير فيه مصالح السلطات في كلّ عصر، كما فعل ذلك في نقل قصة العلاء بن الحضرمي في غزو دارين، حين جعله يمشي هو وجيشه بمراكبهم على مثل رملة ميثاء، في بحر مسافته مسيرة يوم وليلة لسفن البحر، هذا عندما كان يعمل في طاعة الخليفة، وجعل العلاء هذا يخفق ويخذل، عندما عبر بجيشه لحرب الفرس، على أثر معصيته أوامر الخليفة عمر، إذن بفضل طاعة الخليفة انتصر وظهرت له كرامة، وعلى أثر المعصية خذل! إنَّ أساطير كهذه تساير مصلحة السلطة في كلّ عصر، فتجد منها الحماية والتأييد مدى الدهر!

 وانه وضع أساطيره مسايرة لرغبة الجماهير مدى العصور، ففي حديثه يجد عبدة السلف الصالح كرامات للسلف، وبطولات فذة لهم، ويجد المتأدبون أدباً رفيعاً من الشعر والنثر، ويجد المؤرخون كتباً ومعاهدات وفتوحاً ونوادر تاريخية، ويجد المترفون أحاديث للسمر.

 في أحاديث سيف يجد الحكام ما يرغبون، وعوام الناس ما يشتهون، وطبقات العلماء والمتأدبين ما يبحثون عنه ويجمعون.

 وتبرز عبقرية سيف في قدرته على تحقيق هدفه فيما يساير رغبات كلّ هؤلاء الجماهير، فإنَّه حين يحقق أماني الجميع في أحاديثه، يجعل من كلّ ذلك سجل فخر لقبيلة مضر عامة ولبطون تميم خاصة، مع تصغير قدر من نافسهم!

 هدف سيف الخفي البعيد:

 كلّ ما مرّ واضح في أحاديث سيف، ومستساغ منه، ولكن ما الداعي له إلى تحريف سني الحوادث التاريخية واليوم؟

 وما الداعي إلى تغيير أسماء أشخاص كتسمية عبدالرحمن بن ملجم بخالد؟ وما الداعي له إلى وضع حديث يقول فيه: إنَّ الخليفة

عمر طلب من زوجته أن تبرز للرجال وتؤاكلهم، وإنما امتنعت عن ذلك لرثاثة ملابسها!!؟ إن أمثال هذه الموضوعات لا تحقق شيئاً مما ذكرنا من أهداف سيف، إلاّ إذا صح ما نعتوه به من أنه كان زنديقاً، وإن صح ذلك، فإنَّه كان يرمي من وراء كلّ ما وضع واختلق، إلى تحريف التاريخ الاسلامي ومسخه!

وقد نجح في ذلك نجاحاً منقطع النظير، وسواء أكان ذلك منه بدافع الزندقة والعداء للاسلام، أم أن الغفلة وعدم التحرز من الكذب أديّا به إلى ذلك، مهما كان السبب فان سيفاً حرّف التاريخ الاسلامي فيما يخص الردة والفتوح والحوادث الواقعة بعدهما إلى عصر أمير المؤمنين علىّ، وأصبح ما اختلقه سيف هو التاريخ الرسمي للصحابة، ولما قاموا به من فتوح، وكان من نتائج ما وضع واختلق من كثرة عدد القتلى في الفتوح؛ ما اشتهر بين غير المسلمين من ان الاسلام قد انتشر بحدِّ السيف، وبإراقة أنهار من دماء البشر ـ ولعل لزندقته ـ أيضاً ـ دخلاً في هذا الاختلاق ـ بينما الواقع أن الشعوب بنفسها كانت تقف إلى جانب الجيوش الاسلامية ضدَّ حكامها، وتدخل في دين اللّه أفواجاً، وبذلك انتشر الاسلام لا بحدِّ السيف.

 هذا هو التاريخ الذي وضعه سيف، وهذا التاريخ أصبح له قداسته، بعد أن أُهمل في زوايا النسيان كلّ ما دوّن من تاريخ غير الذي اختلقه سيف، ومضى على ذلك القرون تلو القرون، وتسالم على صحته الخلف بعد السلف.

 هذا هو شأن تاريخنا المدوّن في الردّة والفتوح، وسيرة الصحابة زهاء ثلاثة عشر قرناً.

 واليوم! أما آن لنا أن نصحو؟! أما آن لنا أن نخرج من أخطبوط هذا الزنديق؟: أما آن لنا أن نبحث عن الحقيقة!؟ وإذا جاز لنا أن نبحث في الموسوعات التاريخية لابراز تاريخنا الاسلامي على حقيقته، ففي مقدمة ما يلزمنا دراسته: هي تراجم الصحابة لمعرفة الصحابة الذين اختلقهم سيف قادة للفتوح وشعراء ورواة لحديث الرسول (ص)، وشعراء وخطباء من الجن والانس، وقد عقدنا الابواب الاتية لهذه الدراسة، ويشهد اللّه علينا ونحن نقدم هذه البحوث للعلماء والباحثين؛ أننا لم نقصد بها إلاّ وجهه وخدمة الحق، وكلنا أمل منهم أن يشاركونا في إكمالها بما يتفضلون به من نقد وملاحظة، سائلين المولى أن يأخذ بيد الجميع لما يحب ويرضى.