في
دومة الجندل:
روي
الطبري عن سيف في خبر دومة الجندل قال:
إنّ
القبائل العربية تجمَّعت وفيهم كلب، وعميدهم وديعة، وعلى القبائل
جميعا رئيسان: أكيدر بن عبد الملك، والجودي بن ربيعة، فكان رأي
أُكيدر مصالحة خالد، فأبوا عليه، فخرج عنهم، فأرسل خالد عاصم بن عمرو
يعترض طريقه، فجاء به أسيرا، فقتله خالد، ثمّ زحف خالد نحو حصن
((دومة الجندل)) فاجتمعت القبائل نحو الحصن، فلمّ يحملهم وبقي عامتهم
خارج الحصن، فحاربهم خالد وغلب عليهم وقتلهم وقتل رئيسهم الجودي،
إلاّ مّا كان من أمر بني كلب فإنّ عاصم بن عمرو نادى: ((يا بني تميم
حلفاؤكم كلب، آسروهم وأجيروهم، فإنّكم لا تقدرون لهم على مثلها))
ففعلوا، وكان ذلك سبب نجاتهم، فوبَّخه خالد على ذلك.
هذا
مّا أخرجه الطبري عن سيف، ولم يخرج مّا وضع سيف من نظمه على لسان
بطله الاسطوري عاصم.
وأخرج ابن عساكر بعضه بترجمة عاصم من تاريخه، وروي بسنده إلى سيف ابن
عمر قال: وقال عاصم بن عمرو في ذلك يعني فتح دومة الجندل:
إنّي لكافٍ حافظ غير خاذلٍ
عشيّة دلاّها وديعةُ في اليمِّ
فخلَّيته والقوم لمّا رأيتهم
بدومة يحسون الدماء من الغمِّ
وأنعمت نعمى فيهم لعشيرتي
حفاظا على مّا قد يريني بنو رِهم (7)
وأخرج بعضه الحموي وقال: ((روضة سلهب بدومة الجندل التي بالعراق، قال
عاصم بن عمرو يذكر غزوة خالد بن الوليد (رض) بدومة الجندل:
شفى النفسَ قتلى بين روضة سلهبٍ
وغرَّهم فيما أراد المنجَّب
وجدنا لجوديٍّ بضربَةِ ثائرٍ
وللجمعِ بالسّمّ الذُّعافِ المقنَّبِ
تركناهم صرعى لخيلٍ تنوبهم
تنافسهم فيها سباع المرحَّبِ))(8)
وضع
سيف على لسان بطل القصة عاصم في الابيات الاولى، مّا كان من أمر
وديعة رئيس كلب مع قومه، وأنه دلاّهم في اليمّ، وما كان منه من
الحفاظ على العهد، وانّه بذلك أنعم على عشيرته، وفي الايات الثانية
ذكر مّا كان من أمر باقي القبائل، ورئيسها الجودي.
وذكر
الحموي بترجمة ((الملطاط)) بعد أن فسره بقوله: ((كان يقال لظهر
الكوفة اللسان، وما ولي الفرات الملطاط))، وقال عاصم بن
عمرو
في أيام خالد بن الوليد لمّا فتح السواد وملك الحيرة:
جلبنا الخيلَ والابلَ المهاري
إلى الاعراض أعراضِ السّوادِ
ولم
ترَ مثلنا صبرا ومجدا
ولم تَر مثلها شنخاب هادِ
شحنّا جانب الملطاط منّا
بجمع لا يزول عن البعادِ
لزمنا جانب الملطاط حتّى
رأينا الزرع يقمع بالحصادِ
لنأتي معشرا ألبوا علينا
إلى الانبارِ أنبارِ العبادِ
لنأتي معشرا قصفا أقامُوا
إلى ركن يعضّل بالوراد (9)
ولمّا رجعنا إلى أحاديث سيف، وجدنا هذا التفسير وهذه الابيات في
رواياته، أمّا الملطاط فقد جاء في أربع من رواياته عند الطبري منها
في ذكر سبب اختطاط سعد للكوفة في السنة السابعة عشرة قال: (وإنّ وجوه
العرب أشاروا عليه ((باللسان))، وظهر الكوفة يقال له اللسان ـ إلى
قوله ـ فمّا كان يلي الفرات فهو الملطاط).
وأمّا الابيات، فقد وجدناها بترجمة عاصم من ابن عساكر، فقال فيها:
(قال سيف: وقال عاصم بن عمرو، يذكر ورودهم السواد ومقامهم به، ويعدد
الايام التي قبلها.
جلبنا الخيل والابل المهاري...) الابيات.
هذه
رواية سيف عن فتح دومة الجندل في العراق، أخرجها الطبري بتفصيلها عن
سيف، وأخذ من الطبري ابن الاثير وذكرها موجزة بتاريخه وابن كثير
بتفصيلها دونما ذكر لسنده، ودومة الجندل لم تكن في العراق، وإنّما
كانت حصنا في الشام على طريق المدينة، تبعد عن دمشق سبع مراحل وكانت
في العراق ((دوما)) أو ((دومة)) وقد يقال لها ((دومة الحيرة)) وفي
الغارة عليها قتل أكيدر، ثمّ سار خالد إلى الشام وأغار على دومة
الجندل، فسَبَى فيمن سَبَى منها ليلى ابنة الجودي الغساني، أما ربيعة
وروضة سلهب فلم أجد لهما خبرا، ويغلب على الظن أنّ سيف بن عمر لم
يذكر ما ذكر عن غفلة، وعدم تمييز منه بين دومة الجندل في الشام ودومة
الحيرة في العراق، وإنما اختلق للعراق دومة الجندل، واختلق تلك
المعارك الحربية فيها عن قصد.
مناقشة
السند:
في
سند خبر دومة؛ محمد وهو عند سيف محمد بن نويرة، وأبو سفيان طلحة ابن
عبد الرحمن، والمهلب الاسدي وهم من مختلقاته،
وسبق
ذكرهم في ترجمة القعقاع.
وفي
سند الملطاط، النضر بن السري وابن الرفيل وزياد - أيضا - عرفناهم في
ترجمة القعقاع أنّهم من مختلقاته.
نتيجة
المقارنة:
شوَّش سيف على الباحثين فيّما تفرّد به من خلط وأختلاق، والطبري روي
عن سيف أسطورة معارك دومة الجندل وحذف شعر بطل الاسطورة عاصم، وأخرج
بعضه ابن عساكر وأسنده إلى سيف، وبعضه الحموي ولم يسنده، كما فسر
الحموي ((الملطاط)) واستشهد بأبيات لعاصم ولم يذكر سنده، فوجدنا
التفسير في رواية سيف عند الطبري، والابيات في رواية سيف عند ابن
عساكر.
حصيلة
الحديث:
أ -
معارك حربية وفتوح لخالد في العراق.
ب -
اسم مشترك بين مكانين ترجم في كتاب المشترك لفظا والمفترق صقعا
للحموي.
ج -
أبيات شعر أضافها سيف إلى ثروتنا الادبية.
د -
بطولات لعاصم التميمي، وشعر وحفاظ للعهد والحلف أضيفت إلى مفاخر
تميم!
7 فخليته وفي الاصل ((تحليته)) ونظنها من تصحيف
الناسخ، وبَنُو رهم بطن من بكر بن وائل من العدنانية (الاشتقاق لابن
دريد 113) وفي الاصل ((بنو زهم)) وأظنها من غلط الناسخ.
8 الذعاف: السم القاتل، والمقنب: المداف فيه سم نبات
القنب وهو من السموم الشديدة. سباع المرحب (كذا في الاصل) ولعله يريد
سباع الارض الرحبة أو البر، وفي قافية البيت الاول اقواء (كما لا
يخفى).
9 مهاري كصحاري: ابل سريعة الجري تنسب لمهرة بن
حيدان من عرب اليمن. اعراض السواد: ريف العراق. الشنخاب: أعلى الجبل.
والهادي: الرأس.البوا:
جمعوا. الانبار: موضع مدينة غربي بغداد، اتخذت قديما لخزن الحنطة.
يعضل: يعسر ويصعب، منه داء عضال والوراد كذا ولعله يريد الورود. ومن
الجائز أن سيفا اقتبس هذا البيت من قول زيد بن مهلهل الطائي: ((جلبنا
الخيل من أجأ وسلمى)) راجع مادة (أجأ) من معجم البلدان