مع المثنى وأبي عبيد:
روي
الطبري عن سيف في خبر ((النمارق)) أنّ المسلمين قاتلوا الفرس قتالا
شديدا، فهزم اللّه الفرس ولحق المنهزمون بكسكر، وروى في خبر ((سقاطية
كسكر)) وقال: كانت كسكر قطيعة لنرسي ابن خالة ملك الفرس، وحمى له،
وبها تمر نرسيان لا يأكله إلاّ ملك الفرس أو من أكرموه بشيء منه،
وقال: أمر أبو عبيد قسما من جيشه أنّ يتبع الجيش الفارسي، ويبيده بين
النمارق إلى بارق ودرتا، ثمّ قال:
وقال
عاصم بن عمرو في ذلك:
لعمري وما عمري عليَّ بهين
لقد صُبّحَتْ بالخزي أهل النمارق
بأيدي رجال هاجروا نحو ربّهم
يجوسونهم مّا بين درتا وبارق
قتلناهم مّا بين مرج مسلح
وبين الهوافي من طريق البذارق (11)
وقال: فالتقى بهم أبو عبيد في السقاطية أسف كسكر، فاقتتلوا قتالا
شديدا ثمّ انهزمت فارس، وهرب نرسي، وغلب المسلمون على عسكره وأرضه،
وجمعوا غنائم كثيرة وأطعمة وافرة، وفيها تمر النرسيان، فأطعمها
الاعراب والفلاحين، وبعث عاصما إلى نهر جور أو جوبر فأخرب وسبى روي
الطبري عن سيف هذا الحديث، ومن الطبري أخذ ابن الاثير بايجاز.
وروي
الطبري عن سيف في قصته بعد الحرب، أنّ الدهاقين - وكان منهم ابن فروخ
- جاءوا إلى أبي عبيد بأنواع الاطعمة، ولعاصم بن عمرو مثله، فأرسل
أبو عبيد يدعو عاصما ومن معه على طعامه ويخبرهم بمّا عنده، فقال في
ذلك عاصم ابن عمرو:
فانّ تك ذا قروٍ ونجمٍ وجوزلٍ
فعند ابن فَرّوخ شواء وخردلُ
وقرو رقاق كالصحائف طوّيت
على مُزع فيها بقول وجوزلُ (12)
وقال
أيضا:
صبحنا بالبقايس رهطَ كسرى
صبوحا ليس من خمرِ السواد (13)
صبحناهم بكلّ فتى كميٍّ
وأجردَ سابحٍ من خيل عادِ
إنتهى.
ولمّا جاءت في هذه الرواية أسماء ((سقاطية كسكر))، ((ونرسيان))
و((مرج مسلح)) و((الهوافي)) اعتمد عليها الحموي وقال بترجمة
((السقاطية)): ناحية بكسكر من أرض واسط، وقع عندها أبو عبيد بالنرسي
(14) صاحب جيوش الفرس فهزمه شر هزيمة، وقال في
ترجمة ((نرسيان)) ناحية بالعراق بين الكوفة وواسط، لها ذكر في
الفتوح، ولعلها النرسي أو غيرها، واللّه العالم، وقال عاصم بن عمرو (15):
ضربنا حماة النرسيان بكَسْكَرٍ
غداة لقيناهم ببيض بواتر
وفزنا على الايام والحرب لاقحٌ
بجردٍ حسانٍ أو ببزْل غوابر
وضلت بلاد النرسيان وتمره
مباحا لمن بين الدبا والاصافر
أبحنا حمى قوم وكان حماهم
حراما على من رامه بالعساكر (16)
وقال
في ترجمة ((مسلح)): مرج مسلح بالعراق ذكره عاصم بن عمرو التميمي في
شعر له أيام الفتوح، فقال يذكر نكاية المسلمين بالفرس: لعمري وماعمري
علي بهينّ... وذكر الابيات إلى قوله: قتلناهم ما بين مرج مسلح ....
الخ.
وقال
في ترجمة ((الهوافي)): موضع بأرض السواد ذكره عاصم بن عمرو التميمي،
وكان فارسا مع جيش أبي عبيد الثقفي فقال:
قتلناهم مّا بين مرج مسلح
وبين ((الهوافي)) من طريق البذارق
اعتمد الحموي على رواية سيف في هذه التراجم، دونما اشارة إلى مصدره.
هذا
وأكثر من هذا، كله من نتاج خيال سيف الخصيب، أمّا غيره فقد روى
البلاذري عن فتوح أبي عبيد في العراق وقال:
أتى
((درتى)) وبها جمع للعجم، فهزمهم إلى كسكر وسار إلى الجالينوس،
بباروسيما، فصالحه ابن الاندرزغر عن كلّ رأس أربعة دراهم، ووجه
المثنى إلى زندرود فحاربهم فظفر وسبى، ووجه عروة بن زيد الخيل الطائي
إلى الزوابي فصالح دهقانها على مثل صلح باروسيما، هذا كلّ مّا ذكروا
عن حروب أبي عبيد والمثنى قبل واقعة الجسر في العراق.
نتيجة
المقارنة وحصيلة الحديث.
حمى
نرسي بكسكر ونرسيان وتمر نرسيان، والهوافي وسقاطية كسكر، ومرج مسلح
والوقائع فيها، وعاصم وأراجيزه كلها ممّا تفرد
بروايتها سيف (17).
في
واقعة الجسر:
روي
الطبري عن سيف في واقعة الجسر، جسر أبي عبيد، حيث أصيب المسلمون وقتل
أبو عبيد، أنّ عاصم بن عمرو مع المثنى ورجاله حموا الانسحاب حتّى
عقدوا جسرا عبر عليه الجيش، وذكر خليفة بن خياط هذه الرواية بحذف
سلسلة السند، بينّما روى الدينوري انّ المثنى قال لعروة بن زيد الخيل
الطائي: انطلق إلى الجسر فوقف بين العجم وبينه وجعل المثنى يقاتل من
وراء الناس ويحميهم حتّى عبروا.
وروي
الطبري عن سيف في خبر ((أُليّس الصغرى)) أنّ المثنى استخلف على الناس
عاصم بن عمرو، وذهب في جريدة خيل يعترض الفرس.
وقال
في وقعة البويب: عيّنه على المجرّدة، والمجردة خيل الطليعة، وذكر
أنّه استأذن المثنى بعد الواقعة أنّ يغيروا فأغاروا حتّى بلغوا ساباط
(18).
هذه
رواية سيف، أمّا غيره فقد ذكر البلاذري واقعة الجسر بتفصيلها في فتوح
البلدان، والدينوري في الاخبار الطوال، وليس فيهما ذكر للبطل
الاسطوري عاصم(19).
مناقشة
السند:
ممّن
يروي سيف عنهم مواقف عاصم مع المثنى وأبي عبيد؛ محمد وطلحة وزياد
والنضر ممن سبق ذكرهم من مختلقاته من الرواة.
ومنهم ((حمزة بن علي بن محفز عن رجل من بكر بن وائل)) ولم نجد لحمزة
هذا ذكرا في كتب التاريخ والانساب عدا حديثين لسيف عند الطبري
فاعتبرناه من مختلقاته من الرواة، ومن هو (رجل من بكر بن وائل) لنبحث
عنه؟!
11أورد
الابيات ابن كثير في 7 / 27 من تاريخه ولم يسمِّ قائلها وإنما قال:
وقال في ذلك رجل من المسلمين.النمارق
في معجم البلدان: موضع قرب الكوفة ولا أدري هل أخذ تفسيره من أحاديث
سيف أو من غيره؟ يجوسون خلال الديار يطوفون بينها بالعبث والفساد.
12 القرو: القرع، والنجم: كلّ نبت لا ساق له،
والجوزل: فرخ الحمام أو غيره من الطير. والخردل : نبت معلوم شديد
الحرافة كالفلفل. والمزع: القطع، مفردها مزعة.
13 والبقايس (كذا جاءت) ولعلها جمع البقس وهو ضرب
من الشجر ويريد موضعه.
14 جاء نرسيان وهو خطأ والصحيح مّا أثبتناه لانّ
صاحب الجيوش سماه سيف بنرسي.
15 جاء في الاصل (عامر بن عمرو) ونراه من غلط
الناسخ لان القائد الشاعر إنّـما هو عاصم.
16 الجرد: الخيول السباقة، مفردها الاجرد، والبزل
مفردها البازل: ابل نبتت نابها. الدبا: قصبة عمان، والاصافر لعله
يريد مّا سماه مرج الصفرين.
17 الطبري ط. مصر الاولى 4 / 64 ـ 66، وط. أوربا 1
/ 2169 ـ 2174، وفتوح البلدان للبلاذري ص 350 ـ 351، وتراجم الاماكن
من الحموي، وابن الاثير 2 / 335.
18 ساباط كانت مدينة بالقرب من المدائن.
19 الطبري ط. مصر 4 / 67 ـ 77، وفتوح البلدان
للبلاذري 351، والاخبار الطوال 113، وحديث حمزة في الطبري ط. أوربا 1
/ 2018 و 2198.