مع
سعد بن أبي وقاص:
وروي
الطبري عن سيف في حوادث السنة الرابعة عشرة أنّ سعد بن أبي وقاص
القائد العام لجيش المسلمين في حرب الفرس، لمّا رتب مناصب الجيش،
عيّن عاصم بن عمرو قائدا للساقة. وأنّ سعد بن أبي وقاص لمّا نزل
القادسية بعث عاصم بن عمرو إلى أسفل الفرات، فسار حتّى أتى ميسان (20)
فطلب غنما أو بقرا فلمّ يقدر عليها، وتحصَّن منه في الافدان والاجام،
فأصاب عاصم رجلا بجانب أجمة، فسأله عن البقر والغنم، فحلف له وقال:
لا أعلم، وإذا هو راعي مّا في تلك الاجمة، فصاح منها ثور: ((كذب
واللّه وها نحن أُولاء)) فدخل فاستاق الثيران، وأتى بها العسكر، فقسم
ذلك سعد على الناس فأخصبوا أياما!
وبلغ
ذلك الحجاج في زمانه، فأرسل إلى نفر ممن شهدها، فقالوا: نحن سمعنا
ذلك وشهدناه واستقناها، فقال: كذبتم! فقالوا: كذلك أن كنت شهدتها
وغبنا عنها، فقال: صدقتم! فمّا كان الناس يقولون في ذلك؟ قالوا: آية
تبشير يستدل بها على رضا اللّه وفتح عدونا، فقال: واللّه لا يكون ذلك
إلاّ والجمع أبرار أتقياء! قالوا: مّا ندري مّا اجنّت قلوبهم، فامّا
مّا رأينا فانّا لم نرَ قوما قط أزهد في دنيا منهم ولا أشهد بغضا
لها... الحديث إلى قوله: وكان هذا اليوم ((يوم الاباقر)). هذا مّا
رواه الطبري عن سيف وأخذ منه ابن الاثير.
وقال
الدينوري والبلاذي : كان المسلمون اذا احتاجوا إلى العلف والطعام،
أخرجوا خيولا إلى البر فأغارت على أسفل الفرات، وأضاف البلاذري إلى
ذلك وقال: وكان عمر يبعث إليهم من المدينة الغنم والجزر.
وروى
الطبري عن سيف: أنّ الخليفة عمر أمر سعد بن أبي وقاص أنّ يبعث إلى
ملك الفرس رجالا من أهل المناظرة والرأي والجلد، يدعونه، فأرسل وفدا
فيهم عاصم بن عمرو، فذهبوا إلى كسرى، واشتد غضب كسرى منهم، فأمر أن
يأتوه بوقر من تراب وأن يحملوه على أشرفهم، ثمّ سأل من أشرفهم؟ فسكت
القوم، فقال عاصم بن عمرو - وأفتأت ليأخذ التراب - أنا اشرفهم! أنا
سيد هؤلاء فحمّلنيه! فقال: أكذاك؟ قالوا: نعم! فحمّله على عنقه، فخرج
به من الايوان والدار حتّى أتى راحتله فحمله عليها، ثمّ انجذب إلى
سعد وسبقهم عاصم، وبشر سعدا بالظفر، وقال: قد واللّهِ أعطانا اللّه
مقاليد ملكهم، ولما سمع بذلك قائد الفرس رستم تطير من ذلك! وعلى هذه
الرواية اعتمد اليعقوبي في مّا ذكر بتاريخه.
أمّا
البلاذري فقد روى (أنّ عمر كتب إلى سعد يأمره بأنّ يبعث إلى عظيم
الفرس قوما يدعونه إلى الاسلام، فوجَّه عمرو بن معدي كرب الزبيدي،
والاشعث بن قيس الكندي، في جماعة، فمروا برستم فأتى بهم ، فقال: أين
تريدون؟ قالوا: صاحبكم! فجرى بينهم كلام كثير حتّى قالوا: إنّ نبينا
قد وعدنا أنّ نغلب على أرضكم، فدعا بزبيل من تراب فقال: هذا لكم من
أرضنا! فقام عمرو بن معدي كرب مبادرا، فبسط رداءه وأخذ من ذلك التراب
فيه وانصرف، فقيل له: مّا دعاك إلى مّا صنعت؟ قال: تفاءلت بأنّ أرضهم
تصير إلينا ونغلب عليها...) الحديث.
وروى
الطبري عن سيف أنّ القائد العام سعد بن أبي وقاص، بعث سرية ليغيروا
على النهرين، فتوغلت، وقابلتهم من الجيش الفارسي كتيبة، فأرسل إليهم
سعد عاصم بن عمرو، فلمّا رأته الفرس ولّت منهزمة، وقال في يوم
المقدمة - فقال: - إنّ هذه بلاد قد أحل اللّه لكم أهلها وأنتم تنالون
منهم منذ ثلاث سنين مالا ينالون منكم ، وأنتم الاعلون، واللّه معكم
إنّ صبرتم وصدقتموهم الضرب والطعن، فلكم
أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم، وان خسرتم وفشلتم - واللّه لكم من
ذلك جار وحافظ - لم يُبق هذا الجمعُ منكم باقية مخافة أن تعودوا
عليهم بعائدة هلاك. اللّه اللّه! أذكروا الايام وما منحكم اللّه
فيها، ألا ترون أنّ الارض وراءكم بسابس قفار ليس فيها خمر ولا
وزر
يعقل إليه ولا يمتنع به! اجعلوا همّكم الاخرة.
وروي
أنّ سعدا أرسل إلى الناس أهل النجدة والفضل منهم، فكان منهم عاصم بن
عمرو فقال: يا معاشر العرب، انكم أعيان العرب!
وقد
صمدتم لاعيان من العجم، وانمّا تخاطرون بالجنة ويخاطرون بالدنيا، فلا
يكوننَّ على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم، لا تحدثوا اليوم أمرا
تكونون به شيئا على العرب غدا.
ولمّا نشب القتال بين الفريقين خرج عاصم بن عمرو وهو يقول:
قد
علمت بيضاء صفراء اللّبَب
مثل اللُّجين إذ تَغشّاه الذهب (21)
أنّي أمْرُؤٌ لا من تعيبه السبب
مثل على مثلك يغُريه العَتَب
فطارد رجلا من أهل فارس، فهرب منه واتبعه حتّى إذا خالط صفهم التقى
بفارس معه بغلة، فترك الفارس البغل واعتصم باصحابه فحموه، واستاق
عاصم البغل والرجل حتّى أفضى به إلى الصف، فاذا هو خباز الملك، وإذا
الذي معه لطف الملك: الاخبصة والعسل المعقود، فأتى به سعدا ورجع إلى
موقفه، فلمّا نظر فيه سعد قال: انطلقوا به إلى أهل موقفه، وقال: إنّ
الامير قد نفلكم هذا فكلوه، فنفلهم إياه.
20 ميسان: اسم كورة واسعة كثيرة القرى والنخل،
قصبتها ميسان - راجع الحموي.
21 (اللَّبَب): موضع القلادة من الصدر.