في الثني والزميل:

 ذكر الطبري خبرهما عن سيف في حوادث سنة 12ه‍‍ وقال: (نزل ربيعة بن بجير التغلبي الثني والبشر، وهي الزميل وكان فيها الهذيل، ولما انتهى خالد من حرب المصيخ توجّه إلى الزميل والثني معه وهما اليوم شرقي الرصافة، فبدأ بالثني، واجتمع هو وأصحابه فبيَّتَهم من ثلاثة أوجه وجردوا فيهم السيوف فلم يفلت من ذلك الجيش مخبر، وبعث بالخمس إلى أبى بكر.

 وقال: نجا الهذيل وأَوى إلى الزميل ـ وهي البشر عند سيف ـ إلى عتاب بن فلان وهو بالبشر في عسكر ضخم، فبيَّتَهم خالد مثل بياته على الثني غارة شعواء من ثلاثة أوجه، فقتل منهم مقتلة عظيمة، لم يقتلوا قبلها مثلها وأصابوا منهم ماشاؤوا. انتهت رواية الطبري عن سيف ومنه أخذ من جاء بعده.

 اعتمد الحموي على هذه الرواية في ترجمة ((الثني)) وقال: الثَنِيّ بالفتح، ثمّ الكسر، ثمّ ياء مشددة، علم لموضع بالجزيرة قرب شرقي الرصافة، تجمعت فيه بنو تغلب، وبنو بجير لحرب خالد، فأوقع بهم بالثَنِيّ، وقتلهم كلَّ قتلة في سنة 12، في أيام أبي بكر الصديق، فقال (أبو مفزر):(39)

 طرقنا بالثنيّ بني بجير          بياتاً قبل تصدية الديوك

فلم نترك بها إرّماً وعُجما       مع النصرَ المؤزّر بالسهوك(40)

 وقال أيضاً:

لعمرُ أبي بجير حيث صاروا        ومَنْ آواهُمُ يوم الثنيّ

لقد لاقتْ سَراتُهم آفتضاحاً       وفئنا بالنساء على المطيِّ

ألا ما للرجالِ فانّ جهلاً        بكمْ أن تفعلوا فعلَ الصبيِّ

 وفي ترجمة الزميل قال:

 وفي الفتوح: الزميل عند ((البشر)) بالجزيرة شرقي الرصافة، أوقع فيه خالد ببني تغلب ونمير وغيرهم في سنة 13 أيام أبى بكر، وقال (أبو مفزر)(41):

ألا سالي الهذيل وما يلاقي      على الحدثان من نعت الحروب

وعتاباً فلا تنسى وعَمْرا         وأرباب الزميل بني الرَّقوب

ألم نفتقهُمُ بالبشر طعناً         وضرباً مثل تفتيق الضروب (42)

 وقال أيضاً:

ويُقبل بالزميل وجانبيه         وطاروا حيث طاروا كالدموك

وأجلوا عن نسائهم فكنّا        بها أولى من الحي الركوك (43)

 نرى هذين البيتين تتمة للبيتين اللذين جاءا في ترجمة الثني (طرقنا بالثني بني بجير).

 وروى ابن عساكر عن سيف، قال: ((قال أبو مفزر بعد فتح الحيرة:

ألا أبلغا عنّا الخليفة أننَّا      غلبنا على نصف السواد الاكاسرا))

 في شعر كثير قاله، وكان مع خالد بن الوليد في خلاقة أبي بكر (رض) في فتوحه).

 هذا ما ذكره سيف في خبر امغيشيا والثني والبشر من فتوح الحيرة وموقف خالد فيها. ولم نجد لها ذكراً في فتوح البلاذري مع أنه ذكر

تفصيل فتوح السواد في كتابه.

 مناقشة السند:

 في سند حديث سيف عن أمغيشيا عند الطبري محمد وهو من عرفناه بترجمة القعقاع من مختلقات سيف، وبحر بن الفرات العجلي وهذا لم نجد له ذكراً في غير حديثين لسيف عند الطبري ولذلك اعتبرناه من مختلقات سيف من الرواة.

 نتيجة المقارنة:

 وجدنا الحموي يترجم أمغيشيا بألفاظ سيف. ويورد شعر الشاعر الاسطوري أبى مفزر، الَّذي حذفه الطبري من آخر الرواية جرياً على عادته، وما ذكره سيف من هدم خالد لامغيشيا، فانّنا نراه أراد أن يذكر فتحاً مبيناً لخالد القرشي المضري، اشترك فيه آل تميم، فذكر هذا الفتح، وبما أن المدينة لم يكن لها أثر في أوائل القرن الثاني الهجري (44) ولا ذكر لها عند الرواة، فقد هدمها بيد خالد ليريح نفسه من القالة حولها، غير أنه أثبت بذلك للجيوش الاسلامية فظاظة دونت في التاريخ ألفاً ومائتي سنة، والجيوش الاسلامية براء من ذلك، ولم يصدر منها نظير ذلك في عصر الفتوحات الاولى البتة!.

 وفي الثني والزميل أخرج الطبري رواية سيف دون رجزها، واعتمد عليها الحموي مع الاشارة إلى مصدره: (الفتوح) في الزميل فقط.

 وأثبت سيف في خبرهما فخراً لتميم وخزياً لربيعة، فقد لاقت سراة ربيعة فضيحة، وآبت تميم بالنساء على المطي بعد أن أجلى عن نسائه حيّ ربيعة الركيك. ومن الحموي يأخذ عبد المؤمن ويذكر في مراصد الاطلاع خلاصة ما ذكره الحموي في المعجم.

 حصيلة الحديث:

 أ ـ ثلاثة بلدان ترجمت في البلدانيات.

 ب ـ كلمة مأثورة في حق خالد (عجزت النساء أن ينشئن مثل خالد).

 ج ـ مفاخر حربية لتميم ومذمة لربيعة.

 د ـ أشعار تضاف إلى التراث الادبي.

 ه‍‍ ـ ومن كلّ ذلك حصلنا على صحابي قائد شاعر من سروات تميم اسمه أسود ابن قطبة.


39  أبو مقرر كما جاء في ترجمة الثني والزميل من معجم البلدان مصحف والصواب أبو مفزر كما ضبطه صاحب الاصابة في ترجمته.

40  ارما: احدا، والعجم يريد جمع الاعجم وهو الحيوان، والسهوك الريح القاصفة.

41  راجع المصدر السابق نفسه.

42  سالي: تخفيف سائلي. الهذيل وعتاب وعمرو هم أرباب الزميل في أحاديث سيف. والرقوب: المرأة تراقب موت بعلها لترثه.

43  الدموك: الارنب السريع، والركوك مبالغة من الركة.

44  القرن الثاني ـ عصر سيف.