أبو مفزر في الشام:

 كان هذا ما وجدنا عند سيف من ذكر الاسود وأشعاره في حروب خالد بالعراق، ونرى أن الذي فاتنا من أشعار بطل أسطورة سيف أكثر.

 ونجد بعد هذا ذكره وأشعاره في حروب الشام فيما روى ابن عساكر بترجمة الاسود حين قال: ((عن سيف بن عمر قال: وقال الاسود بن قطبة أبو مفزر في اليرموك ثمّ شهد القادسية:

      لقد علمت عمروٌ، وزيدٌ بأنّنا

                           نحلّ إذا خافَ العشائرُ بالسّهلِ

   نجوبُ بلادَ الارض غيرَ أذلةٍ

                      بها عُرضَ ما بين الفرات إلى الرملِ

  أقمنا على اليرموك حتّى تجمّعتْ

                           جلائبُ رومٍ في كتائبها العضلِ

ترى حين نغشاهم خيولاً ومعشراً

                              وأسلحةً ما تستفيق من القتلِ

  شفاني الذي لاقى هِرَقْلُ فردّه

                            على رَغْمه بين الكتائب والرحلِ

 قتلناهُمُ حتّى شفينا نفوسَنا

                        من القادة الاولى الرؤوس ومن عجل

نعاورهمْ قتلاً بكلّ مهنّدٍ

                          ونطلبهم بالذحل ذحلاً على ذحل(45)

 وقال أبو مفزر أيضاً:

 ألم تعلمي والعلم شافٍ وكافي

                            وليس الذي يهري كآخر لا يهري

بأنّا على اليرموك غيرُ أُشابةٍ

                          (غداةَ هِرَقْلَ) في كتائبه نَزري(46)

وإنَّ بني عمرٍو مطاعين في الوغى

                            مطاعيمُ في اللاواء أنصبة الجهر

وكم فيهم من سيّدٍ ذي توسّعٍ

                          وحمّالِ (أعباء) وذي نائلٍ فهر(47)

ومن ماجدٍ لا يُدرك الناسُ فضله

                            إذا عدّت الاحساب كالجبل الشرّ

 وقال أيضاً:

   وكمْ قد أغَرنا غارة بعد غارةٍ

                              ويوماً ويوماً قد كشفنا أهاوِلَهْ

ولولا رجالُ كان حشوَ غنيمةٍ

                             لدى مأقَطٍ رجّتْ عليهم أوائلهْ

كفيناهم اليرموك لما تضايقت

                             بمن حلّ باليرموك منهم حمائلَهْ

فلا يَعدِ مَنْ منّا هِرقلاً كتائباً

                         إذا رامها رام الذي لايحاوله(كذا)(48)

 إلى هنا تنتهي رواية ابن عساكر عن سيف بترجمة الاسود. والشعر الاخير أخرجه عن سيف أيضاً في ذكر واقعة اليرموك من المجلدة الاولي. كذلك أخرجه ابن كثير في تاريخه، ولم نجد شيئاً من هذا في روايات غير سيف التي أخرجها ابن عساكر في خبر اليرموك، والبلاذري في فتوح البلدان. أما الطبري فجرياً على عادته يخرج روايات سيف في اليرموك ويحذف أشعاره.

 مناقشة السند:

 لم يذكر ابن عساكر سند سيف في ما روى لنبحث عن رواته.

 نتيجة المقارنة:

 وجدنا أشعار البطل الاسطوري أبي مفزر في رواية سيف وحده، وليس في غيرها شي‌ء من ذلك، ومن ملاحظة هذه الاشعار يظهر أن سيفاً نفَّس عن كربة كان يجدها في نفسه، وبذلك كشف عن عقدة نفسية دفعت به إلى كلّ هذا الاختلاق، إسمعه يقول.

 قد علم الناس بأننا إذا خاف العشائر نحل بالسهل، نجوب بلاد الارض غير أذلة ـ من العراق إلى الشام ـ: ويقول: أقمنا على اليرموك حتّى تجمعت جلائب الروم، وقتلناهم حتّى شفينا نفوسنا، نعاورهم قتلاً بكل مهند.

 ويقول: ألم تعلمي بأنا على اليرموك نزري كتائب هرقل، و (قد يلتبس عليك الامر فلا تعرف فاعل هذه الافاعيل وتظن أنها الجيوش

الاسلامية بما فيها الانصار) لا. إنه أوضح الامر وقال:

 وإنّ بني عمرو ـ بطن من قبائل تميم ومنهم سيف ـ مطاعين في الوغى مطاعيم في اللاواء، أنصبة الجهر، وكم في بني عمرو من سيّد ذي توسع، حمّال أعباء، وذي نائل فهر، ومن ماجد لا يدركه الناس إذا عُدَّت الاحساب كالجبل الشرِّ، وكم اغرنا ـ نحن بني عمرو غارة بعد غارة. ويوماً ويوماً قد كشفنا أهاوله، نحن بني عمرو ـ كفينا الناس يوم اليرموك لما تضايقت بمن حل فيها من الروم، وأخيراً يختم بالدعاء لبني قومه ويقول: فلا يَعْدِمَنْ منّا هرقلاً كتائباً، إذا رامها رام الذي لايستطيع محاولته.

 حصيلة الحديث:

 أشعار تُثبت بطولات تميم وان كان لهم القدح المعلّى في الحروب، وتثبت شاعرية البطل التميمي الاسطوري أبي مفزر.


45  وفي ذكر زيد وعمرو في الشعر: ((لقد علمت زيد وعمرو بأننا)) دليل على تأخر عصر هذا الشعر عن عصر الفتوح الاولى ـ العشر الثاني من القرن الاول الهجري ـ الى عصر تمصير المصرين الكوفة والبصرة واتساع الحركة العلمية فيهما وتأسيس مدارس الادب والنحو في كلّ منهما واكثار النحويين من ذكر زيد وعمرو في قولهم: ((ضرب زيد عمرا)) و((جاء زيد ثم عمرو)) و((ان اكرمت زيدا، لاكرمت عمرا)) الى الكثرة الكاثرة من أمثالها مما أدى الى اشتهار اللفظين وانتشارهما على ألسنة المتأدبين. أما في عصر الفتوح الاولى فكان يجري على ألسنة الراجزين ذكر الجارية كقول مروان يوم الدار: ((لقد علمت جارية عطبول)) أو ذكر القبيلة والحي كقول مرحب: ((قد علمت خيبر أنّي مرحب)).جلائب روم كذا في ابن عساكر وتهذيبه، وفي ترجمة الاسود من الاصابة جلابيب، العضل بفتح العين وسكون الضاد: الشدّة ومنه داء عضال. بين الكتائب والرجل وفي ابن عساكر: الرحل (قتلناهم حتّى سقينا بفرسنا من القادة الاولى الرؤوس ومن حمل) كذا فى ابن عساكر وفي تهذيبه (قتلناهم حتّى شقينا نفوسنا من القادة الاولى الرؤوس ومن عجل) وبنو عجل بطن من كهلان من العدنانية. في تهذيب ابن عساكر (بالزحل زحلا على زحل) تصحيف.

46  يهدي ولايهدي ـ كذا في ابن عساكر وفي تهذيبه يهري ولعل الصواب يدري ولايدري وهو أنسب. اشابة كذا جاءت، غداة هرقل في الاصول: غزاة هرقل مصحفة. اللاواء: الشدة. انصبة الجهر، لعله يريد كنصب الروابي. أعباء وفي الاصول اعياء بالياء من تصحيف الناسخين. كالجبل الشر كذا جاء.

47  وفي مخطوطة ابن عساكر ((وذي نائل قهر)).

48  ((وكم أغرنا)) وفي مخطوطة ابن عساكر ((كم أغرنا)). ((فلا يعدمن)) وفي مخطوطة ابن عساكر ((فلا تهدمن)).