في
العراق وإيران:
روى
الطبري، عن سيف في حوادث سنة 14ه: أن الخليفة عمر أقطع ((أبا
مفزر)) دار الفيل في من أقطع من أهل البلاء بعد القادسية.
وروى ـ عن سيف، في حوادث سنة 16ه ـ : خبر فتح ((بهرسير)) (49)
وقال ما ملخصه: إن المسلمين نزلوا على بهرسير وهي المدينة القريبة
من مدائن كسرى، وفيها الملك، وعليها خنادقها وحرسها، فنصبوا عليها
عشرين منجنيقاً، واشتد الحصار بهم حتّى أكلوا السنانير والكلاب، وروى
سيف بعد هذا عن أنس بن الحليس (50) أنه قال: بينا
نحن محاصرو بهرسير، أشرف علينا رسول من قبل الملك فقال: إن الملك
يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة وجبلنا،
ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟! أما شبعتم لا أشبع اللّه بطونكم!
فبدر الناس أبو مفزر الاسود بن قطبة، وقد أنطقه اللّه بما لايدري ما
هو! ولا من معه! فرجع الرجل، فقطعوا دجلة إلى المدائن الشرقية، فقال
المسلمون لابي مفزر: ما قلت له؟ فواللّه إنهم لهرّاب، فقال: والذي
بعث محمداً بالحق ما أدري ما هو إلاّ أن عَليّ سكينة، وأنا أرجو أن
أكون قد أُنطقتُ بالَّذي هوخير. وسأله سعد والناس عما قاله، فلم
يعلم، فأمر سعد الناس فنهدوا لهم، فما ظهر على المدينة ولاخرج إلاّ
رجل واحد ينادي بالامان! فأمنوه، فقال لهم: ما بقي بالمدينة من
يمنعكم فدخلوا، فما وجدوا فيها أحداً إلاّ أسارى أسروهم!
فسألوهم وسألوا ذلك الرجل لايّ شيء هربوا، فقالوا: بعث الملك إليكم
يعرض عليكم الصلح، فأجبتموه بأنه لايكون بيننا وبينكم صلح أبداً حتّى
نأكلّ عسل أفريدون باترج كوثى، فقال الملك: يا ويلتنيه! إن الملائكة
تتكلّم على ألسنتهم ترد علينا! وتجيبنا عن العرب! فساروا إلى المدينة
القصوى.
هذا
ما رواه الطبري عن سيف. وأخذ منه ابن الاثير وابن كثير ولم يخرج
الطبري ما نظمه على لسان بطل الاسطورة، وأخرجها ابن عساكر بتاريخه في
ترجمة أبي مفزر قال:
((وقال أبو مفزر ـ يعني في بهرسير ـ:
زعمتمْ انّنا لكُمُ قطينٌ
وقولُ العجزِ يخلطه الفَجورُ
كذبتمْ ليس ذلكمُ كذاكم
ولكنّا رَحىً بكُمُ تدورُ
ولو رامت جموعُكمُ بلادي
إذن كرّتْ رَحانا تستديرُ
فلَلْنا حدَّكمْ بِلوى قَديس
ولمْ يسلمْ هنالك بَهْرسيرُ
فتحتُ البهرسير باذنِ ربّي
وأقدرني على ذاك الامورٌ
وقد
عضّوا الشفاهَ ليهلكونا
ودون القومِ مَهْواةٌ جَرورُ
فطاروا فتنةً ولهمْ زفير
إلى دارٍ وليس بها نَصيرُ(51)
وقال:
تولّى بنو كسرى وغاب نصيرُهم
على بهرسيرا واستهدّ نصيرها
غداة
تولتْ عن ملوكٍ بنصرها
لدى غمراتٍ لا يبلّ بصيرها (كذا)
مضى
يزدجرد بن الاكاسر سادماً
وأدبر عنه بالمدائن خيرها
فيا
بَوحةً بالاخشبين لاهلها
ويثربَ إذ جاء الاميرَ بشيرُها
ويا فرحةً ما تُتْرحَنَّ عدوَّنا
إذا جاهم ماقد أسر خبيرُها
فأبلغ أبا حفصٍ هُديت وقل له:
ألاَ ابْشر بنصر اللّه أنت أميرها(52)
وقال أيضاً:
فأبلغْ أبا حفصٍ بأنّي محافظٌ
على الحربِ والايامُ فيها فتوقُها
أحطت بطوراتِ الكتيبةِ إنّها
أُعدّت لفخر يوم ساختْ عروقُها
حططت
عليك القوم من رأس شاهقٍ
وقد كان أعيا قبل ذلك نِيقها
وحيثُ دفعنا بهرسيرَ بمنطقٍ
من القولِ لم يعبأ تضيع حقوقها
وقلدت كسرى خيل موتٍ فلم تزل
بذاريةٍ عنه وفيها عَقوقها
حللتُ نظامَ القومِ لمّا تحشّدوا
قطعت نفوس القوم واعتاص ريقها
وأعجبني منهم هنالك أنّهمْ
على فتنٍ منها وقد ضاق ضيقها(53)))
وهذه الابيات جاءت في آخر ترجمة أبي مفزر من تأريخ ابن عساكر،
يرويها عن سيف أيضاً. وقال الحموي في ترجمة بهرسير:
((وقال أبو مفزر (54) أيام الفتوح: ((تولى بنو
كسرى وغاب نصيرهم...)) وذكر ثلاثة أبيات منها ثمّ قال: ((والشعر في
ذكرها كثير. وفي كتاب الفتوح...)) الخ.
وفي
ترجمة المدائن من الروض المعطار، قال ـ بعد إيراد رواية سيف ـ:
((وقال القعقاع بن عمرو من شعر له:
فتحنا بهرسير بقول حق...)) إلى آخر الابيات الَّتي ذكرناها في ترجمة
القعقاع ثمّ قال بعده: وقال الاسود بن قطبة:
يا دِجْلُ إنَّ اللّه قد أشجاكِ
هذي جنـود اللّه في قراكِ
فلتشكري الَّذي بنا حابـاكِ
ولا تروعي مسلماً أتاكِ (55)
وقال في ترجمة ((أفريدين)) من الروض: ((إنها موضع بالعراق من ناحية
المدائن قال أنس بن الحليس: ((بينما نحن محاصرو بهرسير...)) إلى آخر
رواية سيف في فتح بهرسير والتي فيها ((نأكلّ عسل أفريدين)).
وأشار المرزباني إلى رواية سيف هذه في ترجمة الاسود بن قطبة من
معجمة ـ حسب رواية صاحب الاصابة عنه ـ حيث قال: شهد فتوح العراق. وهو
القائل:
ألا أبلغا عني الغريب رسالة
فقد قسمت فينا فيوء الاعاجم
وردّت علينا جزية القوم بالَّذي
فككنا به عنهم ولاة المعاصم
ثمّ
ذكر خلاصة أسطورة سيف في فتح بهرسير.
هذه
رواية سيف في فتح بهرسير، امتدت أغصانها إلى كتب التاريخ والادب كما
رأينا قسماً منها، أما غيره فقد ذكر الفتح على وجه آخر، اذ ذكر
البلاذري والدينوري: أن فتحها كان نتيجة حرب ضروس. وحصار طويل حتّى
أكلوا التمر مرتين، وضحّوا أضحيتين، قال الدينوري: ((فلمّا طال ذلك
على أهل السواد صالحه عامة الدهّاقين بتلك الناحية. فلمّا رأى يزدجرد
ذلك، جمع إليه عظماء مرازبته فقسم عليهم بيوت أمواله وخزائنه، وكتب
عليهم بها القبالات (56) وقال: إن ذهب ملكنا فأنتم
أحق به، وان رجع ورددتموه علينا، ثمّ تحمَّل في حرمه وحشمه، وخاصة
أهل بيته، حتّى أتى حلوان (57) فنزلها، وولّى
خرزاد بن هرمز أخا رستم المقتول بالقادسية الحرب، وخلَّفه
بالمدائن...) الحديث.
مناقشة
السند:
روى
سيف حديث بهرسير، عن سماك بن فلان الهجيمي، عن أبيه ومحمد بن عبد
اللّه، عن أنس بن الحليس.
ومحمد بن عبد اللّه تخيّله سيف، ابن نويره وسبق قولنا فيه: انه من
مختلقاته من الرواة، وتخيل أنس بن الحليس عمه، وهذا وسماك وأبوه لم
نجد لهم ذكراً عند غير سيف فاعتبرناهم من مختلقاته من الرواة.
ولم
يذكر ابن عساكر سند سيف في ما روى عنه لنبحث عن رواته.
نتيجة
البحث والمقارنة:
روى
سيف أن بهرسير فتحت بكلام فارسي، أُلقي على لسان أبي مفزر الاسود بن
قطبة، نطق بها ولم يفهم معناها هو، ومن معه من الجيش، وجاء ذكر ذلك
في شعره حين قال: (فتحت البهرسير بإذن ربي) وفي قوله: ((دفعنا
البهرسير بمنطق من القول...)) وقال في ذلك أيضاً بطل تميم الاسطوري
القعقاع: ((فتحنا بهرسير بقول حق..)).
هذا
ما يرويه سيف، بينما يقول الاثبات من المؤرخين إنَّ فتح بهرسير كان
نتيجة حرب ضروس وحصار طويل ومصالحة مع عامة الدهاقين حولها.
حصيلة
الحديث:
مكرمة لتميم لا تدانيها مكرمة فقد نزلت عليهم السكينة وتكلَّمت
الملائكة على لسانهم. وهكذا تفتح البلاد للمسلمين بسيوف تميم ومنطقهم
وتضيف هذه الاسطورة إلى التراث الادبي الخالد شعراً رصيناً يُدوَّن
في كتب الادب، والى الاماكن (أفريدون) تترجم في الكتب البلدانية.
49 في تاريخ ابن كثير ((نهر شير)) و((أبو مقرن))
تصحيف وفي تاريخ ابن الاثير بهرشير وأبو مقرن كذلك تصحيف والصواب ما
أثبتناه.
50 يأتي ذكره في مناقشة سند الحديث.
51 في قوله ((وأقدرني...)) يشير الى ما تخيله
سيف أن الاسود قال: ((لاصلح بيننا حتّى نأكلّ عسل أفريدون...)) وفي
المخطوطة ((واعرفتي على ذلك الامور)) تصحيف، والمهواة: الوادي
العميق، وجرور: بعيدة القعر. ((فطاروا فتنة...)) في المخطوطة فطاروا
ولهم فتنة ولهم زفير محرفة.
52 واستهد في معجم البلدان، وفي المخطوطة
التهذيب استمد، واستهده استضعفه ((على نهر سيرا)) كذا في الاصول،
ولعلها ((بهرسيرا)) و((تولت)) في الاصول ((نزلت)) تصحيف ((لدى
غمرات)) في الاصول ((كذا غمرات)) وسادما: أي مهموما، والاخشبان:
جبلان بمكة. وبوحه الشيء: ظهوره. و((الا ابشر)) في المخطوطة
((فابشر)).
53 ((فأبلغ)) في الاصول ((أبلغ)) تحريف.
وساخت: أي غاصت، والعروق: الطرق في الجبال. والنيق: أعلى الجبل،
((تضيع)) كذا في التهذيب وفي المخطوطة ((أضاعت)). الذارية تلقي
الراكب عليها كالريح الذارية، والعقوق بالفتح من الخيل: الحائل
والحامل.في التهذيب ((خللت نظام القوم لما تحشدوا قطعت نفوس القوم
واعتاص ريقها)). وفي المخطوطة ((حللت نظام القوم لما تحشوا قطعت بقوس
القوم واعتاط ريقها)) اعتاص الريق أي عسر واشتد، كناية عن شدة
الموقف.
54 ((أبو مقرن)) في ط. دار صادر بيروت تصحيف.
55 اشجى السائل: أعطاه مايرضيه.
56 واحدها (قبالة): وثيقة تثبت امتلاك
الاموال أو الكفالة.
57 حلوان مدينة قديمة في العراق العجمي ـ معجم
البلدان.