6
ـ عَفِيفُ بن المُنذِر ـ التميمي
في ردة تميم ـ نبع الماء في الفلاة لجيش المسلمين
ـ خوض البحر إلى دارين ـ مقارنة ـ مناقشة إسناد الحديث.
عفيف
بن المنذر التميمي (22):
قال
ابن حجر في ترجمته من الاصابة: ((أحد بني عمرو بن تميم، ذكره سيف في
الفتوح...)) الخ... وأخرج الطبري في تاريخه تفاصيل مما قص سيف عن
عفيف بن المنذر، منها: ما رواه في ((خبر تميم وسجاح)) عن الصعب بن
عطية بن بلال عن أبيه قال: إن تميماً اختلفت فيما بينها بعد وفاة
رسول اللّه (ص)، فمنهم من بقي على إسلامه، ومنهم من ارتدّ وشغل بعضهم
بعضاً، فقال في ذلك عفيف بن المنذر التميمي:
ألم يأتيك(23) والانباء تَسري
بما لاقت سَراةُ بني تميم
تداعى من سـراتهمُ رجال
وكانوا في الذوائب والصميم
وألجوهمْ وكان لهم جَـناب
إلى أحياء خاليةٍ وخِيم(24)
وروى
الطبري ـ أيضاً ـ في ((خبر ردة أهل البحرين)) عن الصعب بن عطية بن
بلال قال: إن أبا بكر بعث العلاء بن الحضرمي من ديار تميم إلى قتال
أهل البحرين، فسلك بالجيش الدهناء ـ والدهناء أراضٍ رملية من ديار
تميم، وفيها سبعة أجبل من الرمل ـ حتّى إذا كانوا في بحبوحتها نزل،
وأمر الناس بالنزول في الليل، فنفرت جميع إبلهم بأحمالها، وما بقي
عندهم بعير ولا زاد، ولا ماء، فلحقهم من الغم مالا يعلمه إلاّ اللّه،
ووصّى بعضهم بعضاً، فجمعهم العلاء وقال لهم: ما هذا الذي غلبكم من
الغم؟ فقالوا ((كيف نلام ونحن إن بلغنا غداً لم تُحمَ شمسُه حتّى
نصير حديثاً)) فقال: أيها الناس لا تُراعوا، أَلستم مسلمين، ألستم في
سبيل اللّه! ألستم أنصار اللّه! قالوا:
بلى!! قال: فابشروا، فواللّه لا يَخذُل اللّه من كان في مثل حالكم،
ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلع الفجر، قال الراوي: فصلى بنا،
ومنّا المتيمم، ومنّا من لم يزل على طَهُوره، فلما قضى صلاته جثا
لرُكبَتَيه وجثا الناس، ودعا ودعوا معه، فلمع لهم سرابُ الشمس،
فالتفت إلى الصَّفِّ فقال: رائد ينظر ما هذا؟ ففعل ثمّ رجع، فقال:
سراب! فأقبل على الدعاء، ثمّ لمع لهم آخر، فكذلك، ثمّ لمع لهم آخر،
فقال الرائد:
ماء!
فمشينا إليه حتّى نزلنا عليه، فشربنا واغتسلنا، فما تعالى النَّهار
حتّى أقبلت الابل من كلّ وجه، فأناخت إلينا، فقام كل رجل منا إلى
راحلته فأخذها، فما فقدنا شيئاً، فأرويناها وأسقيناها وتَرَوّينا ثمّ
تروَّحنا، قال الراوي: فكان أبو هريرة رفيقي، فلمّا غِبْنا عن المكان
قال
لي: كيف علمك بموضع الماء؟ فقلت: أنا من أهدَى العرب بهذه البلاد،
قال: فكن معي حتّى تقيمَني عليه، فأتيت به إلى ذلك المكان
بعينه، فإذا هو لاغدير به ولا أثر للماء، فقلت له: واللّه لولا اني
لا أرى الغدير لاخبرتك ان هذا هو المكان؟ وما رأيت بهذا المكان
ماء
قبل اليوم؟ وإذا إداوة مملؤة، فقال أبو هريرة: هذا واللّه المكان!
ملات إداوتي ثمّ وضعتها على شفيره، فقلت: إن كانت آية عرفتها.
قال
الراوي: فحمد اللّه ثمّ سرنا.
ثمّ
ذكر بعد ذلك: أن العلاء سار بهم حتّى نزلوا بهَجَر، وخندق المسلمون
والمشركون، ورئيس المشركين الحُطَم (25)، وكانوا
يتراوحون، حتّى إذا كان ذات ليلة علم المسلمون أن المشركين شربوا
وسكروا، فهجموا عليهم ووضعوا فيهم السيوف، وضرب العفيف بن المنذر أحد
بني عمرو بن تميم رجل الحطم، فقطعها، وتركه كذلك ليموت عذاباً، وكان
مع عفيف عدة من ولد أبيه، فأصيبوا ليلتئذ، وذكر أن قيس بن عاصم من
المسلمين طعن أبجر في عرقوبه فقطع العصب، وسَلِم النَّساء. فقال
العفيف بن المنذر:
فإن يرَقأ العرقوبُ لا يرقأ النَّسا
وما كُلُّ مَنْ يهْوي بذلك عالِمُ(26)
ألم ترَ أنّا قد فَللْنا حُماتَهُم
بأسْرَةِ عمرو والرِّبابِ الاكارِمِ (27)
وأسر عفيف بن المنذر الغَرور بن سويد أخا النعمان بن المنذر، فكلمته
الرباب فيه، وكان أبوه ابن أختهم، وسألوه أن يجيره فأجاره،
وقتل
العفيف أيضاً المنذر بن سويد أخا الغرور لامِّه، وأصبح العلاء فقسم
الانفال، ونفَّل من أهل البلاء ثياباً، فكان عفيف بن المنذر فيمن
نفّل.
وقال: واجتمع الكفار (بدارين)، وكان بينها وبينهم بحر عرضه مسيرة
يوم وليلة لسفن البحر في بعض الحالات! فندب العلاء الناس، وخطب فيهم
وقال: ان اللّه قد جمع لكم أحزابَ الشياطين، وشُرَّدَ الحرب في هذا
البحر، وقد أراكم من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا
إلى عدوكم، ثمّ استعرِضوا البحر إليهم، فإنَّ اللّه قد جمعهم فقالوا:
نفعل ولا نهاب واللّه بعد الدَّهناء هَوْلاً ما بقينا.
فارتحل وارتحلوا، حتّى إذا أتى ساحل البحر اقتحموا على الصّاهل
والجامِل والشاحج والنّاهق والراكب والراجل، ودعا ودعوا، وكان
دعاؤه ودعاؤهم يا أرحم الراحمين، يا كريم يا حليم، يا أحد يا صمد، يا
حي يا محيي الموتى، يا حيّ يا قيّوم، لا إله إلا أنت يا ربّنا!
فأجازوا ذلك الخليج بإذن اللّه جميعاً يمشون على مثل رملة ميثاء،
فوقها ماء يغمُر أخفاف الابل، وإنّ ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم
وليلة لسفن البحر(28) في بعض الحالات، فالتقوا بها
واقتتلوا قتالاً شيديداً، فما تركوا بها مُخبِراً، وسبوا الذَّراري،
واستاقوا الاموالَ، فلما فرغوا رجعوا عَودَهم على بدئهم، حتّى عبروا،
وقال في ذلك عفيف بن المنذر:
ألم تَرَ أنَّ اللّه ذلَّلَ بَحْرَه
وأنزل بالكفّار إحدى الجَلائِلِ
دَعَوْنا الذي شقَّ البحارَ فجاءنا
بأعجبِ من فَلْقِ البحار الاوائلِ(29)
وكان مع المسلمين راهبُ من أهل هَجَر، فأسلم فقيل ((ما حمَلك على
الاسلام؟)) قال: ثلاثة أشياء، خشيت أن يمسخني اللّه بَعدها ((فَيْضٌ
في الرمال، وتمهيد أثباج البحر، ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء
سحراً)).
قالوا وما هو؟ قال:
((اللّهمّ أنت الرَّحمن الرَّحيم لا إلـهَ غيرُك. والبديع ليس قبلك
شيء، والدائم غير الغافل، والحيّ الذي لا يموت، وخالق ما يُرَى
ومالا يُرَى، وكلّ يوم أنت في شأن وعَلِمْتَ اللّهمّ كلّ شيء بغير
تعلّم).
فعلمت أن القوم لم يُعانوا بالملائكة إلاّ وهم على أمر اللّه.
وكان أصحاب النبي (ص) يسمعون هذا منه بعد ذلك، وكتب العلاء إلى أبي
بكر ((أمّا بعدُ، فإنّ اللّه تبارك وتعالى فجَّر لنا الدَّهْناء
فيضاً لا تُرى غواربه، وأرانا آية وعبرة بعد غم وكرب لنحمد اللّه
ونمجده، فادعُ اللّه واستنصرْه لجنوده وأعوان دينه)).
فحمد أبو بكر اللّه، ودعاه وقال: مازالت العرب فيما تحدث عن بلدانها
تقول ((ان لقمان حين سئل عن الدهناء: ايحتفرونها أو يَدعونها؟ نهاهم
وقال: لاتبلغه الارشِيَة ولم تقرّ العيون، وإنَّ شأن هذا الفَيْض من
عظيم الايات، وما سمعنا به في أُمة قبلها، اللّهمّ اخلف محمداً (ص)
فينا)).
هذه
خلاصة ما رواه الطبري عن سيف من قصص التميمي عفيف، ومن الطبري أخذ
أبو الفرج في الاغاني 14/ 45 ـ 47، وابن الاثير وابن كثير وابن خلدون
في ذكرهم خبر ردَّة الحطم والبحرين.
وأخذ ابن حجر من فتوح سيف ما ذكره بترجمة عفيف من الاصابة كما صرح
بذلك هناك، وعلى رواية سيف هذه، استند الحموي في لغة ((دارين)) من
معجم البلدان حيث قال: (وفي كتاب سيف: إنّ المسلمين اقتحموا إلى
دارين البحر ـ إلى قوله ـ فقال في ذلك عفيف بن المنذر: ((ألم تر أن
اللّه ذلّل بحره))... البيتان)).
ومن
الحموي أخذ عبدالمومن في ترجمة دارين من ((مراصد الاطلاع)) أما
الحميري فقد قال في ترجمة ((دارين)) من ((الروض)): ((ويقول أحدهم:
ألم تر انّ اللّه ذلل بحره...)) البيتان، ولم يذكر سند الرِّواية ولا
من أنشد البيتين.
هذا
أصل رواية سيف في عفيف بن المنذر وفروعها، وهي تنقسم إلى ثلاثة
أقسام:
أوّلاً ـ ارتداد قسم من تميم، وبقاء آخرين على إسلامهم، وتشاغل تميم
بعضها ببعض ثمّ شعر عفيف في ذلك.
ثانياً ـ ردّة الحُطَم بهَجَر، وقطعُ عفيف رِجْل الحُطَم هذا، وهو
سيد قيس، وأسرُه الغرور بن سويد أخا النعمان بن المنذر الملك وقتلُه
أخاه لاُمِّه. ولبطولاته في الحرب نفّله العلاء فيمن نفّل من أهل
البلاء الحسن.
ثالثاً ـ فيض الدهناء ((الاراضي الرملية)) للجيش ماء لا ترى غواربه،
وانقلاب اثباج البحر لهم رملاً، وإنشاد عفيف في ذلك أيضاً.
* * *
هذه
خلاصة أخبار سيف في عفيف بن المنذر، وإذا رجعنا إلى غيره من المصادر،
وجدنا البلاذري يذكر ردة تميم في صفحتين من فتوحه (30)
وخلاصة ما يرويه أن خالد بن الوليد لمّا انتهى من حرب طليحة، جاء إلى
أراضي تميم وسكن البعوضة منها، وبث سراياه، فجاءوا بمالك بن نويرة من
البطاح، فقتله وخبره مشهور في ذلك (31)، وليس في
هذا الخبر ذكر لهذه البطولات وأبطالها، وأراجيزهم.
وأمّا ردّة الحُطَم بهَجَر وابنِ المنذر في البحرين ودارين، فقد ذكر
أخبارها البلاذري في فتوح البلدان أيضاً، وقال: لما مات ـ عامل رسول
اللّه (ص) ـ المنذر ابن ساوي العبدي بعد وفاة النبي (ص) ارتد من
بالبحرين من قيس مع الحُطَم، وارتدَّ من بالبحرين من ربيعة، وأمّوا
عليهم ابناً للنعمان بن المنذر، يقال له المنذر، فسار الحطم حتّى لحق
بربيعة، فسار العلاء إليهم وقاتلهم قتالاً شديداً، فالتجأوا إلى حصن
جواثا(32) ، فبيّنهم العلاء ذات ليلة فقاتلهم حتّى
فتح جواثا وقال وكان المنذر بن النعمان هذا يُسمّى الغرور ووقعت هذه
الواقعة في سنة 12 من الهجرة وفي خلافة أبي بكر.
وقال: إنّ قسماً من تميم كان قد انضم إليهم في (زارة) (33)
جمع من المجوس من الَّذين امتنعوا من أداء الجزية، فحاصرها العلاء
وبقي
عليها حتّى فتحها في أوّل خلافة عمر حيث صالحوه على ثلث ما في
المدينة ولم يكونوا ذكروا ((دارين)) في الصلح، فدلّه كراز النكري على
مخاضة إليها، فتقحمها العلاء في جماعة من المسلمين، وفاجأهم
بالتكبير، فخرجوا وقاتلهم من ثلاثة أوجه حتّى ظفر بهم، وكان ذلك في
خلافة عمر(34) .
وروى الكلاعي في ردة أهل البحرين وقال:
إنَّ أهل هَجَر (35) ارتدّوا وقام الجارود (36)
بين قومه عبد القيس في الخطّ ـ سيف البحرين ـ خطيباً وثبتهم على
الاسلام فلم يرتدّ منهم أحد، واجتمعت بكر ابن وائل (37)
وأرادت أن تملّك المنذر بن النعمان بن المنذر وكان يسمّى الغرور فبلغ
ذلك كسرى فأرسل إليهم وجمع وجوههم وعنده يومئذ مخارق بن النعمان وهو
المنذر بن النعمان بن المنذر وملّكه عليهم وسيّرهم إلى البحرين
ليتملّكوها وسرّح معه أبجر بن جابر العجليّ ومعه الاساورة (38)
فنزلوا المشقّر ـ حصن عظيم بالبحرين ـ.
وأرسل أبو بكر العلاء في ستة عشر راكباً وقال له: امض، فإنّ أمامك
عبد القيس فسار حتّى نزل جواثاً ـ حصن لعبد القيس ـ
وأمدّه ثمامة بن أثال الحنفي(39) برجال من قومه
بني سحيم، فسار العلاء إلى مخارق ـ النعمان بن المنذر ـ وقاتله
قتالاً شديداً حتّى كثرت القتلى، وكان الجارود يبعث من الخطّ ـ سيف
البحرين ـ البعوث لنصرة العلاء فبعث مخارق الحُطَم بن شريح أحد بني
قيس بن ثعلبة (40) إلى مرزبان الخطّ يستمدّه
فأمدّه بالاساورة وشدّ الجارود في الحديد وسار الحطم وأبجر ابن جابر
العجلي (41) في من معهما حتّى حصروا العلاء
بجواثاً فقال عبداللّه بن حذف أحد بني عامر بن صعصعة(42)
.
ألا أبلغ أبا بكر رسـولا(43)
وسكان المدينة أجمعينا
فهل لكمُ إلى نفر يسير
مقيم في جواثاً محصرينا
كأنّ دماءهم في كلّ فجّ
شعاع الشمس يغشين العيونا
توكلّنا على الرحمن إنّا
وجدنا النصـر للمتوكلّينا
فمكثوا على ذلك محصورين، فسمعوا ذات ليلة لَغْطاً في عسكر المشركين
فدلّوا عبداللّه بن حذف بحبلٍ ليتجسسّ أخبارهم، فذهب حتّى دخل على
أبجر العجلي وأمّ عبداللّه امرأة من بني عجل، فلمّا رآه قال: ما
جاءبك لا أنعم اللّه بك عيناً؟ قال: يا خالي الضرّ والجوع وشدّة
الحصار وأردت اللِّحاق بأهلي فزوِّدني، قال أبجر: أفعل على أنّي
أظنّك واللّهِ على غير ذلك فزودّه وأعطاه نعلين وأخرجه من العسكر
وخرج معه حتّى برزا، فقال له: انطلق فإنّي واللّه لاراك بئس ابن
الاخت أنت هذه الليلة، فمضى ابن حذف كأنه لايريد الحصن حتّى أبعد ثمّ
عطف، فأخذ بالحبل فصعد الحصن فأخبرهم أنّه تركهم سكارى لايعقلون وقد
نزل بهم تجّار من تجّار الخمر فاشتروا منهم ثمّ وقعوا فيها، فنزل
إليهم المسلمون ووضعوا فيهم السلاح حيث شاءوا ووثب الحطم وهو سكران،
فوضع رجله في ركاب فرسه، ثمَّ جعل يقول من يحملني، فسمعه عبداللّه بن
حذف فأقبل نحوه وقال: أنا أحملك فضربه حتّى قتله، وقطعت رجلُ أبجر
فمات منها وأصبح ما أفاء اللّه على المسلمين من خيولهم وما سوى ذلك
عند العلاء في حصن جواثاً، ثمّ سار العلاء فقاتلهم حتّى لجأوا إلى
باب المدينة، فضيّق عليهم، فطلب مخارق ومن معه الصلح والامان،
فصالحهم على ثلث ما في أيديهم بالمدينة من أموالهم، وما كان شيء
منها خارجاً فهو له، فبعث العلاء بمال كثير إلى المدينة، وهرب مخارق
المنذر إلى الشام، ثمّ ألقى اللّه في قبله الاسلام فأسلم، فكان بعد
إسلامه يقول لست بالغرور ولكنّي المغرور. ثمّ سار العلاء إلى الخطّ
حتّى نزل الساحل، فجاء نصرانيّ فقال له: مالي إن دللتك على مخاضة
تخوض منها الخيل إلى دارين؟ قال: وما تسألني؟ قال: أهل بيت بدارين،
قال: هم لك. فخاض به وبالخيل إليهم فظهر عليهم عنوة وسبى أهلها ثمّ
رجع إلى عسكره.
ولمّا رأى ذلك أهل البحرين سألوه الصلح على ما صالح عليه أهل هَجَر(44).
كانت
تلكم خلاصةً ممّا ذكره البلاذري، ولم يكن فيه ذكر لعفيف بن المنذر
وبطولاته وأراجيزه وبطولات غيره من تميم، كما أن سيفاً
خالف
غيره في تسمية الغرور ونسبه، فهو المنذر بن النعمان عند غيره، وعنده
ابن سويد أخي المنذر، وتفرد في ما ذكر من قطع العفيف رجل الحطم،
وأسره الغرور وقتله أخاه، بل لم يذكر غير سيف أخاً للغرور، وذكر فتح
دارين في خلافة أبي بكر خلافاً للواقع فقد وقع في عصر عمر.
أمّا ما ذكر من كرامات العلاء، فقد وجدنا أصله عند أبي هريرة هكذا:
((قدم العلاء يريد البحرين، فدعا اللّه بالدهناء، فنبع لهم ماء
فارتووا، ونسي رجل بعض متاعه، فردّ فلقيه ولم يجد الماء)).
وقال: ((رأيت العلاء قطع البحرعلى فرسه يوم دارين ـ وفي رواية ـ قطع
البحر، فما ابتل لهم خُفُّ ولا حافر...)) الحديث.
هذه
رواية أبي هريرة، بينما ينص البلاذري على أنَّ كراز النكري دَلَّهم
على مخاضة كانت هناك، فتقحَّموها إلى دارين، ولم يرد ذكرعفيف عند أبي
هريرة ولا غيره.
نتيجة
المقارنة:
نرى
أنَّ سيفاً لايُهمُّه نسبة الارتداد إلى قومه تميم بقدر ما يُهمُّه
إثبات البطولات لهم في الحروب، ولما كانت ردَّة تميم مشهورة في عصره،
فقد عالجها بما وضع من أن الَّذين قابلوا المرتدين من تميم، هم مسلمة
تميم أنفسهم ساجل بعضهم بعضاً وبهذا حافظ على مفاخر
تميم
الحربية ولم ينكر ارتدادهم.
وفي
ردّة الحطم وقبيلة قيس بهَجَر، اختلق تميميّاً من عشيرته بني عمرو،
ذهب بفخر تلك المعركة، فهو الذي قطع رجل الحطم سيد قيس، وأسر من
ربيعة ملكها وابن ملكها المنذر الملقب بالغرور وقتل أخاه، ولبلائه
الحسن في تلك المعركة نفل له فيمن نفل من أهل البلاء، ولم يبخل على
رباب العدنانيين حلفاء تميم وجيرانهم، بل أشركهم في فخر تلك المعركة
حين نظم على لسان بطل الاسطورة قوله:
ألم ترَ أنّا قد فللنا حماتهم
بأسرة عمرو والرباب والاكـارم
على
أنه جعلهم يلتمسون من عفيف التميمي فك أسر ابن أختهم الغرور.
ونرى أن أسطورة عبور جيش العلاء البحر، ونبع الماء لهم في الفلاة،
كانت مشهورة في عصر سيف عن أبي هريرة، فأكمل الاسطورة بما أضفى عليها
من عناصر القصة، ولما كان في ذلك مكرمة لحضرمي يماني ـ العلاء بن
الحضرمي ـ فقد أفسدها بما روى بعد ذلك قصة منافسة العلاء لسعد بن أبي
وقاص في الفتوح، وأنه كان يعمل ما يعمل رئاء، وأنَّ المكرمة إنَّما
كانت بفضل طاعته
للخليفة أبي بكر، وأنَّه لما عصى الخليفة عمر وعبر إلى فارس خُذِل
وحُصِر جيشه، ولم تمشِ دوابُّهم يوم ذلك على مثل رملة ميثاء، والماء
يغمر أخفاف الابل كما وقع في يوم دارين، وروى أن الخليفة عمر أدركهم
وأنجد الجيش وعزل العلاء كما مرَّ تفصيله في أسطورة عاصم.
مناقشة
السند:
هذا
ما رأينا في هذه القصة، وإذا راجعنا سندها وجدنا سيفاً يرويها في
حديثين يسندهما إلى من سمّـاه بالصعب بن عطية بن بلال، وللتحقيق عن
هذا الراوي وعن أبيه عطية بن بلال، نراجع كتب تراجم الرواة فلانجد
لهما ذكراً فيما، لهذا حقّ لنا أن نقول اختلق سيف هذه القصة وأسندها
إلى راويين مختلقين!!
حصيلة
الحديث:
أ ـ
مفاخر حربية في الردّة تضاف إلى مفاخر قبيلة تميم.
ب ـ
آية فيض الرمال لاترى غواربه، وانقلاب ماء البحر ـ مسيرة يوم وليلة ـ
رملاً، وتلكم الملائكة، إلى غيرها مما يضاف إلى كرامات الصحابة
والتابعين.
ج ـ
أدعية وخطب وكتب وأراجيز تضاف إلى تراثنا الادبي الخالد.
د ـ
شاعر بطل قتل سيد قيس وأسر ملك ربيعة، أضيف إلى مفاخر بني عمرو من
تميم.
ه
ـ راويان للحديث في نسق واحد، يضافان إلى رواة الاخبار وكلّ هذه
الاضافات من بركة أحاديث سيف وحده!!! وكلّ هذه الاختلاقات في حديث
سيف وحده لاشريك له في ذلك.
وأخذ من سيف الطبري والحموي والحميري وابن حجر والكلاعي. واخذ من
الحموي صاحب مراصد الاطلاع.
وأخذ من الطبري، صاحب الاغاني وابن الاثير وابن كثير وابن خلدون.
22 محقق الطبري ضبطه هكذا.
23 هكذا جاءت.
24 و(الجوهم) مخففة من (الجأوهم). ومن الجائز أن
سيف بن عمر اقتبس هذا البيت من أشعار رثي بها عمرو بن آلة بني العبيد
من أهل الحضر حيث قال:
((ألم يحزنك والانباء تنمى
بما لاقت سراة بني العبيد))
راجع الاغاني (2 / 35).
25 الحطم اسمه شريح بن ضبيعة سيد قيس بن ثعلبة.
26 الاغاني (وما كلّ من تلقى بذلك عالم).
27 في البيت اقواء.
28 رواها أيضا ابن كثير عن سيف في تاريخه 6 / 346.
29 الاغاني: ((من شق البحار)).
30 فتوح البلدان 136 ـ 137، وط. بيروت دار
الجامعيين 1377ه ص 114 ـ 116. وراجع البحرين ـ الحموي.
31 راجع عبد اللّه بن سبأ. ترجمة بحرين من معجم
البلدان.
32 جواثا حصن لعبد القيس، في البحرين.
33 زارة: قرية كبيرة في البحرين ـ الحموي. مادة
زارة.
34 فتوح البلدان للبلاذري ص 117 ـ 118. وفي الروض
المعطار:((جاء نصراني فقال: مالي ان دللتك على مخاضة تخوض منها الخيل
الى دارين؟ قال وما تسألني؟ قال أهل بيت دارين، قال هم لك. فخاض به
وبالخيل اليهم فظهر عليهم)). وفي المخطوطة تسألين بدل تسألني.
35 هجر: قصبة بلاد البحرين.
36 الجارود بن المعلى سيد عبدالقيس كان نصرانيا
وأسلم حين وفد مع قومه الى النبي سنة 10 ه وكان صهر أبي هريرة. قتل
بأرض فارس غازيا سنة 21 ه وقيل غير ذلك، ترجمته في الاصابة (1 /
216).
37 وفي الطبري (1 / 1960): اجتمعت ربيعة فقالت:
...... وربيعة أصل بكر بن وائل وبكر جذم من ربيعة وعبدالقيس كذلك
راجع ترجمتهم في جمهرة أنساب العرب (292 ـ 307).
38 الاساور جمع الاسوار: مُعرَّب سوار فرسان الجيش
الفارسي.
39 ثمامة وهوذة كانا ملكي اليمامة أرسل اليهما
النبي (ص) كتابا يدعوهما الى الاسلام فأسلم ثمامة وثبت على اسلامه،
ولما عصته بنو حنيفة واتبعت مسيلمة فارقهم وخرج الى البحرين، ترجمته
بالاصابة وتأريخ الردة ص 96.
40 الحطم اسمه شريح بن ضبيعة بن شرحبيل من بني قيس
بن ثعلبة بن عكابة بن صعب ابن عليّ بن بكر بن وائل نسبهم في الجمهرة
ص 319 ـ 320.
41 وأبجر بن جابر بن بجير بن عائذ بن شريط بن عمرو
بن مالك بن ربيعة عجل من بني بكر بن وائل نسبهم في الجمهرة ص 312 ـ
314.
42 عامر بن صعصعة من قيس عيلان بن مضر نسبهم في
الجمهرة ص 273 ـ 275.
43 في فتوح البلدان (102) (أُلوكا وفتيان المدينة)
(فهل لك في شباب منك أمسوا أسارى).
44 تاريخ الردّة، اقتبسه أحمد خورشيد من الاكتفاء
للكلاعي ط. مدارس الهند. 1390ه.