في
عصر أبي بكر:
روى الطبري عن سيف ((أن قيساً وذبيان كانت من القبائل التي ارتدت
وتجمعت في ((ابرق الربذة)) وأمدّهم طليحة بأخيه حبال، فعين أبو بكر
على أنقاب المدينة نفراً منهم علي بن أبي طالب، وأرسل لحربهم،
فنفروا بهم حتّى أدخلوهم المدينة، فخرج إليهم أبو بكر ليلاً في
تعبئة، فما طلع الفجر إلاّ هو والعدو في صعيد واحد، فحمل عليهم
المسلمون فما طلعت الشمس حتّى ولّوهم الادبار، ثمّ تبعهم وهزم
اللّه المشركين، وفي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي:
غَداة سَعى أبو بَكرٍ إلَيهِم
كما يسعى لموتَته جُلالُ (45)
أراح على نواهقها علياً
ومَجَّ لهنَّ مُهجَتَهُ حِبالُ
وقال أيضاً:
أقَمنا لهم عُرض الشِّمال فكُبِكبُوا
كَكَبْكَبةِ الغُزَّى أَناخوا عَلى
الوَفْرِ
فما صبروا لِلحَربِ عِنْدَ قِيامِها
صبِيحَة يَسْمو بِالرجالِ أبو بكرِ
طَرقْنا بني عَبْسٍ بِأدْنى نِباحِها
وذُبيانَ نَهْنَهْنا بقاصِمَةِ
الظَّهرِ(46)
وقال في يوم الابرق زياد بن حنظلة:
ويوم
بالابارق قد شَهِدنا على ذُبيانَ يَلتهبُ التِهابا
أتَيناهم بداهيَةٍ نَسُوفٍ مَعَ الصِّدِّيقِ إذ تَرَك
العِتابَا(47)
اعتمد الحموي على هذا في معجم البلدان حيث قال:
((أبرق الرَبَذة بالتحريك والذال المعجمة: موضع كانت به وقعة بين
أهل الرِّدَّة وأبي بكر الصِّدِّيق (رض)، ذكر في كتاب الفتوح: كان من
منازل بني ذُبيان فغلبهم عليه أبو بكر (رض) لمّا ارتَدّوا، وجعلها
حمى لخيول المسلمين، وهذا الموضع عنى زياد بن حنظلة بقوله: ويوم
بالابارق...)) البيتان.
ولَخصَّه في المشترك صقعاً وقال: ((وأبرق الربذة في حديث، وإيّاه
عنى زياد بن حنظلة قال: ويوم بالابارق قد شهدنا...)).
هكذا جاء ذكر زياد في أخبار الرِّدَّة في رواية الطبري عن سيف ومن
الطبري أخذ ابن كثير.
وأمّا غير سيف فقد قال البلاذري: خرج أبو بكر إلى القَصَّة من أرض
محارب لتوجيه الزحوف إلى أهل الردة، ومعه المسلمون، فسار إليه خارجة
بن حصن ومنظور بن سيان الفزاريان فقاتلوهم قتالاً شديداً، فانهزم
المشركون واتبعهم طلحة بن عبداللّه، فلحقهم وقتل منهم رجلاً، وفاته
الباقون هرباً، ثمّ عقد أبو بكر لخالد بن الوليد على الناس وجعل على
الانصار ثابت بن قيس بن شمّـاس، وبعثه إلى طليحة الاسدي وكان قد ادعى
النُّبوَّة ومعه بنو فزارة... الحديث.
وقريب منه ما ذكره الذَّهبي في التاريخ، وليس فيهما ذكر لزياد،
وراجعنا حروب القبائل المرتدَّةِ ولم نجد فيها ذكراً لحرب قيس
وذُبيان هذه، ولا ((أبرق الربذة)) من غير طريق سيف.
نتيجة
البحث:
جاء
في الاستيعاب ذكر زياد في عداد أصحاب رسول اللّه، وعماله وخبر بعثته
إلى المرتدِّين، ومنه أخذ صاحب أسد الغابة والتجريد، وعدم ذكرهم
لمصدر الخبر يوهم أنه يكون من غير طريق سيف، وورد خبر ((أبرق
الربذة)) في معجم البلدان منسوباً إلى كتاب الفتوح، وكتاب الفتوح وإن
كان مشهوراً في عصر الحموي أنَّ صاحبه سيف، ولكنَّه غير معروف في
العصور المتأخرة، ومن هذه الترجمة ينتشر خبر أبرق الربذة إلى
البلدانيات الاخرى، وهذا أيضاً يوهم الباحثين أن ((أبرق الربذة)) كان
لها وجود تاريخي محقَّق، بينما مصدر الخبرين إنّما هو أساطير سيف لا
غيرها!
حصيلة
الحديث:
أ ـ
عمل زياد التميمي لرسول اللّه مما ثبت به صحبته لرسول اللّه (ص).
ب ـ
مكان اسمه ((ابرق الربذة)) ترجم في البلدانيات.
ج ـ
أراجيز أُضيف إإلى ثروتنا الادبية.
د ـ
معارك حربية دوّنت في التاريخ الاسلامي.
45 جلال: البعير العظيم، ومج الشيء من فمه: رمى
به، و(المهجة): الدم، أو دم القلب.
46 (كبكبوا): صرعوا، أو رموا في الهوة، والكبكبة
بالفتح والكسر: الرمي في الهوة، وبالفتح والضم: الجماعة من الناس،
وبالضم: الجماعة من الخيل، و(الغزى) جمع الغازي، و(الوفر) الكثير من
المال والمتاع. النباج: الاكام العالية، أو الروح.
47 وداهية نسوف: شاقة.