إبناء أم المؤمنين خديجة:

من أنواع الاختلاق عند سيف، اختلاق شخصيات أسطورية ثمّ إلحاقها ببنوة أو أخوة أو غير ذلك بأشخاص لهم وجود تاريخي محقق، والبحث عن هذا النوع من الاختلاق وكشفه أكثر صعوبة من غيره من أنواع الاختلاق عنده.

ولعل من هذا النوع: الحارث بن أبي هالة، والزبير بن أبي هالة، والطاهر بن أبي هالة، ثلاثة أخوة نسبهم سيف إلى أم المؤمنين خديجة، وإلى أبي هالة التميمي زوج خديجة قبل رسول اللّه، وكان أبو هالة حليفا لبني عبد الدار بن قصي، واشتهر بكنيته أبي هالة، ونسي اسمه حتّى اختلفوا فيه: أهو هند أو زرارة أم النباش؟ وفي ذكر عدد أولاده من خديجة قال الطبري (1): (تزوّج أبو هالة خديجة بنت خويلد، فولدت له هندا وهالة، رجلين فمات هالة، قال: فخلف عليها رسول اللّه (ص) وعندها ابن أبي هالة، هند، فأدرك هذا الاسلام، فأسلم، وحدّث عنه الحسن بن علي (ع).

وروى الهيثمي في مجمع الزوائد (10 / 5) عن الطبراني أنّه قال: ((خديجة زوج النبي (ص)، كانت قبل رسول اللّه (ص) عند أبي هالة فولدت له هندا، ثمّ ولدت هالة، ثمّ تزوّجها رسول اللّه (ص) )).

وروى ابن ماكولا عن الزبير بن بكار (2) أنَّ خديجة ولدت لابي هالة هند بن أبي هالة، وهالة بن أبي هالة، وولد هند بن أبي هالة هندا قتل مع علي يوم الجمل وولد للاخير هذا وقتل مع ابن الزبير فلا عقب لهم.

كان هذا ما ذكروه عن أولاد أبي هالة، واجمع المؤرخون (3)كابن هشام وابن دريد، وابن حبيب، والطبري، والبلاذري، وابن سعد، وابن ماكولا، وغيرهم على أنّ خديجة كان لها من أبي هالة في عصر الرسول (ص) هند وليس غيره من الذكور.

 الحارث بن أبي هالة:

مع هذا نرى ابن حزم يقول في جمهرة أنساب العرب: ((أبو هالة... زوج أم المؤمنين خديجة وأبنه منها هند ـ إلى قوله ـ: والحارث بن أبي هالة قيل: إنَّه أول من قتل في سيبل الاسلام تحت الركن اليماني)).

فكيف خفي أمر ربيب رسول اللّه (ص) هذا ـ ابن خديجة من أبي هالة ـ مع عظيم شأنه، فهو أول قتيل في سبيل الاسلام تحت الركن

اليماني؟! ومن أين جاء أبن حزم النسابة بخبره؟!

نجد الجواب عند ابن حجر حين يقول بترجمته من الاصابة:

((الحارث بن أبي هالة أخو هند بن أبي هالة ربيب رسول اللّه (ص) ذكر ابن الكلبي وابن حزم (4): أنّه أول من قتل تحت الركن اليماني)).

وقال العسكري في الاوائل:

((ولمّا أمر اللّه نبيه أنّ يصدع بمّا أمره قام في المسجد الحرام، فقال قولوا لا إلـه إلاّ اللّه تُفلِحوا، فقاموا إليه فأتى الصريخ أهله فأدركه الحارث بن أبي هالة، فضرب فيهم، فعطفوا عليه فقتل، فكان أوّل من استشهد)).

وفي الفتوح لسيف عن سهل بن يوسف عن أبيه قال عثمان بن مظعون: ((أوّل وصية أوصانا بها النبي (ص) لمّا قتل الحارث بن أبي هالة، ونحن أربعون رجلا ليس بمكة أحد على مثل ما نحن عليه، فذكر الحديث؛ أي حديث: لمّا أمر اللّه نبيه أنّ يصدع)).

إذن فحديث الحارث هذا ينتهي إلى سيف بن عمر، ومنه أخذ أبن الكلبي، والعسكري ، وأبن حزم، وأبن حجر، ولم يعتمد على حديثه

هذا صاحب الاستيعاب، وأُسد الغابة، والطبقات، فلم يترجموا لربيب رسول اللّه هذا.

وذكر ابن حزم خبره بلفظ ((قيل)) تضعيفا له.

هذا ما كان عند سيف ورواته عن أوّل شهيد في الاسلام، بينّما جميع المؤرخين ذكروا أنَّ أوَّلَ من استشهد في الاسلام سُميّة أم عمّار، قالوا: إنَّ عمارا وأباه ياسر وأُمّه سُمية، ممن عُذِّبوا في سبيل الاسلام، وكانوا من السبعة الاوائل الَّذين أظهروا الاسلام بمكة.

فأَلْبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، وجاء أبو جهل فجعل يشتم سُمَيَّة ويرفث، ثمّ طعنها في قلبُها فماتت، فهي أول شهيدة في الاسلام، ثمّ مات زوجها ياسر في العذاب، قالوا: ومرَّ عليهم رسول اللّه (ص)، وقال: ((صبرا آل ياسر، إنّ موعدكم الجنة)) وفي حديث آخر شكا عمار إلى رسول اللّه (ص) وقال: بلغ منّا العذاب كلَّ مبلغ، فقال: ((صبرا أبا اليقظان، اللّهم لا تعذِّب أحدا من آل ياسر)).

 نتيجة المقارنة:

روي سيف: أنَّ أوَّلَ شهيد في الاسلام هو الحارث، وأوصل نسبه بأبي هالة، فأخذ منه كلُّ من ابن الكلبي وابن حزم في الجمهرة، وترجمه أبن حجر في الصحابة، وعدّه العسكري ـ في كتابه ((الاوائل)) ـ أول شهيد في سبيل الاسلام، بينّما كان أول شهيد في الاسلامية، ومن بعدِها زوجها ياسر كما صرَّح بذلك من أرَّخ حياتهما، ولكنَّ سيفا لم يرق له ذلك وهو الّذي جعل القعقاع التميمي أوَّل من تسلَّق أسوار دمشق وحارب أهلها  حتّى غلبهم على الباب، وجعله أوَّل من أنشب القتال في اليرموك وليلة الهرير من القادسية ويوم نهاوند، وأوَّل من اقتحم خندق العدو في جلولاء.

وجعل أوَّل كتيبة عامت في نهر دجلة ودخلت المدائن؛ كتيبة الاهوال كتيبة عاصم التميمي.

وجعل أول من أنبح كلاب الرُّها وأنفَرَ دجاجها؛ زياد بن حنظلة التميمي.

وجعل أوّل من قدم أرض فارس لقتال الفرس، التميميّان حرملة وسلمى، إلى كثير غيرهما ممّا جعل لتميم الاولية فيها (5).

لم ترق سيفا هذه المكرمة للامة سُمَيَّة، ومن بعدها لزوجها العنسي اليماني، فاخترع هذه القصة لتذهب تميم وبطن أسيد خاصة بفخر أوّل شهيد في الاسلام.

نرى في هذا الشهيد ما في أبطال سيف التميميّين من الفتوة والنجدة، قال سيف: ((فقاموا إليه ـ قامت قريش إلى رسول اللّه (ص) ـ فأتى الصريخ أهله، فأدركه)) أدركه الحارث التميمي دون حاميه أبي طالب ودون عمَّيه الاخرين حمزة وجعفر، ودون غيرهم من سروات هاشم، وهكذا جعل ناصر رسول اللّه (ص) من تميم، وجعل أوّل شهيد في الاسلام من تميم، وجعله ربيبا لرسول اللّه (ص) كسبا لمزيد الفخر.

 حصيلة الحديث:

صحابي ربيب لرسول اللّه (ص) يترجم في عداد الصحابة، ويذكر نسبه في كتب الانساب.

تسجيل مكرمة لتميم عامّة ثمّ لبطن أسيّد خاصّة، فقد كان هذا المحامي عن رسول اللّه (ص) من تميم دون أعمام رسول اللّه (ص) وبني أعمامه من سروات هاشم، وكان من تميم أوَّل شهيد في سبيل اللّه دون الاُمّة سُمَيَّة!!!

 مناقشة سند الحديث وسلسلة الرواة:

روى سيف حديث الحارث بن أبي هالة عن سهل بن يوسف السلمي عن أبيه وسبق قولنا فيهما أنّهما من مختلقات سيف من الرواة لمّا لم نجد لهما ذكرا عند غير سيف.

ونرى أنّ خبر الحارث هذا انتشر من حديث سيف المذكور إلى ((الاوائل)) للعسكري، و((الانساب)) لابن الكلبي، و((الجمهرة)) لابن حزم، و((الاصابة)) لابن حجر، وصرّح ابن حجر أنَّه روى الحديث عن سيف واللّه العالم.

*        *        *

كان هذا شأن خبر الحارث بن أبي هالة الَّذي أعتبرناه من مختلقات سيف من الصحابة، ولم يكتف به سيف وإنَّما اختلق ـ أيضا ـ ربيبا

آخر لرسول اللّه (ص) سمّاه الزبير بن أبي هالة نذكر خبره في ما يلي:

 الزبير بن أبي هالة:

وجدنا خبر (الزبير بن أبي هالة) عند العلماء ينتهي سنده إلى حديثين لا ثالث لهما:ـ‍

الحديث الاول:

في الفوائد المخرجة للنجيرمي (6) (ت: 451ه‍‍) بسنده إلى أبي حاتم الرازي (ت: 277ه‍‍) قال:

حدَّثنا.... عن سيف بن عمر عن وائل بن داود عن البهي بن يزيد عن الزبير ابن أبي هالة ـ قال أبو حاتم (7) هو أبن خديجة زوج النبي (ص) ـ قال: قال النّبِيّ (( اللّهمّ أنت باركت لامّتي في أصحابي، فبارك لاصحابي في أبي بكر، ولا تسلبهم البركة، واجمعهم عليه، فانّه لم يزل يؤثر أمرك على أمره، اللّهمّ وأعزَّ عمر بن الخطاب، وصبّر عثمان بن عفان، ووفّق علي بن أبي طالب، وثبّت الزبير، واغفر لطلحة، وسلّم سعدا، ووفّق عبد الرحمن بن عوف، والحق بي الاوَّلين من المهاجرين، والانصار، والتابعين بإحسان الذين يدعون لي ولاموات أمّتي، لا يتكلّفون، ألا وإنّي بري‌ء من التكلّف (8)، وصالح أُمَّتي)) (9)(10).

جاء في حديث سيف هذا ((الزبير بن أبي هالة)) وقال أبو حاتم: ((هو ابن خديجة)) ومن هنا انتشر اسم الزبير بن أبي هالة في مصادر الدراسات الاسلامية، وشاع ذكره، بينّما نجد الحديث نفسه في (الموضوعات) لابن الجوزي ((عن سيف عن الزبير)) (11) دونما ذكر لاسم والد الزبير، وكذلك جاء الحديث في ترجمة (الزبير بن أبي هالة) من الاصابة، قال:

(روي سيف في الفتوح عن وائل بن داود عن البهي عن الزبير، قال: قال النّبِيّ: ((اللّهمّ بارك لامتي في أصحابي...)) الحديث، لكن وقع في كثير من النسخ عن الزبير بن العوام، واللّه أعلم. (12) انتهى.

إذن فقد روى الرازي هذا الحديث عن سيف وفيه اسم والد الزبير (أبو هالة) ونقل عنه النجيرمي كذلك، ومن هنا انتشر ذكر (الزبير بن أبي هالة) بينّما روى ابن الجوزي الحديث بمتنه وسنده عن سيف ولم يرد فيه ذكر والد الزبير، ونقل صاحب الاصابة عن فتوح سيف كذلك وقال في آخر كلامه ((وقع في كثير من السنخ: عن الزبير بن العوام)).

والذي يبدو لنا في سبب هذا التشويش: أَنَّ سيف بن عمر روى الحديث تارة، وأسنده إلى الزبير بن أبي هالة فرواه عنه بعضهم كذلك، وَوَهَمَ آخرون أنَّ الزبير المذكور في حديث سيف بلا اسم أب هو ابن العوام، فقالوا: الزبير بن العوام، وهكذا غمّ على العلماء أمره، ومهما يكن الامر فإنّ الزبير بن أبي هالة جاء ذكره في حديث سيف ومن حديثه انتشر ذكره !

كان هذا أمر الحديث الاول الَّذي ذكر في شأن الزبير بن أبي هالة.

 الحديث الثاني:

جاء في (معرفة الصحابة) لابي نعيم (ت: 430ه‍‍) قال: الزبير بن أبي هالة، حدثنا... عيسى بن يونس عن وائل بن داود عن البهي عن الزبير، قال: قَتَلَ النّبِيُّ رجلا من قريش صبرا ثمّ قال: ((لا يُقتل رجل بعد اليوم صبرا، إلاّ رجل قتل عثمان فاقتلوه، فإلاّ تفعلوا تُقتَلوا قتل النساء)) (13) قال أبو حاتم الرازي: هذا هو الزبير بن أبي هالة. إنتهى.

وذكر صاحب أُسد الغابة هذا الحديث بترجمة الزبير بن أبي هالة نقلا عن ابن مندة وأبي نعيم، ولفظ الحديث عنده ((قتل النبي (ص)

رجلا من قريش يوم بدر صبرا...)) (14) الحديث، ثمّ نقل قول الرازي فيه: إنّه ابن أبي هالة.

واختصره صاحب التجريد وقال: ((الزبير بن أبي هالة ـ روى وائل بن داود عن البهي عنه، لا يصحّ حديثه د. ع)) (15).

و(د) رمز لابن مندة، و(ع) لابي نعيم في أسد الغابة والتجريد، وروى صاحب الاصابة الحديث عن ابن مندة كذلك ثمّ قال: ((قال ابن أبي حاتم: جاء حديثه عن طريق سيف بن عمر)).

جاء في الحديث الثاني اسم الزبير دون ذكر لاِبيه، ونُقِلَ عن أبي حاتم الرازي أنّه قال ((هو ابن أبي هالة)) وعن ابن أبي حاتم الرازي أنّه قال ((جاء حديثه ـ أي حديث الزبير بن أبي هالة ـ عن طريق سيف بن عمر)) (16) بينما لم يرو هذا الحديث عن سيف ولم يذكر فيه اسم والد الزبير، وإنَّما روى الحديث الاول عن سيف وفي بعض رواياته ورد اسم والد الزبير أبي هالة وقال عنه الرازي: ((الزبير بن أبي هالة هو ابن خديجة زوج النبي)) فكيف حصل هذا الالتباس؟!

لعلّ اتّحاد سلسلة الرواة في الحديثين: (وائل عن البهي عن الزبير) أنشأ عندهم هذا التوهّم وغمّ عليهم قول أبي حاتم عن الزبير هو ابن خديجة وقول ابنه فيه أنَّ حديثه جاء عن طريق سيف بن عمر، والتبس عليهم أمر الحديثين، فذكروا القولين في كلّ من الحديثين.

ومهما يكن الامر فانّ ذكر الزبير بن أبي هالة جاء في حديث سيف وحده كما صرّح به ابن أبي حاتم قال ((الزبير بن أبي هالة ـ من رواية سيف بن عمر ـ وهو متروك الحديث فلمّ أكتب ما روى ومن روى عنه)) (17).

ومن كلّ ما ذكرنا تأكَّد لدينا أنّ ذكر اسم الزبير بن أبي هالة انحصر بحديث سيف بن عمر.

 نتيجة البحث:

نشأ ذكر الزبير بن أبي هالة من حديثين:ـ‍

الحديث الاول:

روى فيه سيف عن الزبير بن أبي هالة أنَّ النّبِيّ دعا لثمانية من الصحابة دعاء يناسب مواقفهم بعده.

هذا الحديث نقله الرازي عن سيف، وفيه أسم والد الزبير أبو هالة، ونقله النجيرمي عن الرازي كذلك.

ونقله كلّ من أبن الجوزي، وأبن حجر عن سيف دون ذكر اسم والد الزبير(18)، ولعلّ سيف بن عمر هو منشأ هذه الاختلاف بأنّ

يكون قد رواه للبعض مع تسمية والد الزبير (أبو هالة)، ورواه للاخرين دون ذكر اسم والد الزبير، وفي فتوحه ـ أيضا ـ لم يذكر أسم والد الزبير.

 الحديث الثاني:

جاء فيه أنَّ النبي (ص) قتل قرشيّا صبرا ثمَّ منع عنه إلاّ قاتل عثمان.

روى هذا الحديث عن الزبير دون ذكر لابِيه، ولم يرو عن سيف غير أنّهم نقلوا في ذيل هذا الحديث ـ أيضا ـ قول أبي حاتم: إنَّ الزبير هو أبن أبي هالة، وقول أبن أبي حاتم: إنَّ  حديث أبن أبي هالة جاء عن طريق سيف.

ذكروا القولين في ذيل الحديث الثاني بترجمة الزبير بن أبي هالة مع أنّه لم يروه عنه أحد، فحصل الالتباس.

ولعلّ اتحاد سلسلة الرُّواة في الحديثين: (وائل عن داود عن الزبير) أوقعهم في هذا الوهم، ومهما يكن الامر فإنّ الزبير بن أبي هالة جاء ذكره في حديث سيف وحده وهو متروك الحديث كما نصّ عليه أبن أبي حاتم، ولعلَّ الذهبي ـ أيضا ـ أشار إلى هذا في التجريد حين قال:

((ولا يصحّ حديثه)).

واعتمد على ما سبق الفيروزآبادي بمادة (زبر) من قاموسه وقال:

(الزبير ابن .... وأبن أبي هالة صحابيون) (19).

والزبيدي في تاج العروس وقال:

((روى وائل بن داود عن البهي عنه)) (20).

 مناقشة سند الحديث:

استندوا في خبر الزبير بن أبي هالة إلى حديثين لا ثالث لهما: أحدهما وهموا فيه حين ظَنّوا أنّ الزبير المذكور فيه هو أبن أبي هالة وذكروه في ترجمته والحديث لا يخصّه، ولا يصحّ ذكره في هذا الباب، وثانيهما رواه سيف عن وائل عن البهي عن الزبير بن أبي هالة، وهذا الحديث ينتهي سنده إلى الزبير بن أبي هالة الصحابي المختلق موضوع البحث نفسه.

والبهي كان ابن مولى رسول اللّه (ص) اسمه رافع ويلقّب بالبهي كما في الطبري(21) ولا أدري هل أدركه سيف أم لا؟ وهل تخيّله أو تخيّل غيره وأسند إليه الحديث؟

ووائل من هو؟ أهو أبو بكر اللّيثي أم غيره؟ وعلى كلّ حال ليس لنا أنّ نحمّل من يروي عنه سيف وزر ما يروي عنه، بعد أنّ جرّبنا عليه الكذب والاختلاق.

وما قيمة هذا الحديث الذي يبدأ سنده بسيف بن عمر الوضّاع وينتهي بمختلق؟ ولا يهمّنا بعد ذلك الجهل أو العلم بالروايين الاخرين اللَّذين جاء أسماهما في وسط السلسلة، وليس لنا أنّ نحمّلهما وزر ما أسند سيف إليهما!!

 حصيلة الحديث:

أ ـ صحابي ربيب لرسول اللّه يترجم في عداد الصحابة.

ب ـ راوٍ للحديث يذكر في عداد الرواة.

ج ـ حديث عن رسول اللّه (ص) يَعْجَبُ به المنقبيون لمّا حوى من مناقب مشاهير الصحابة، والمتعصبون للنزارية لما فيه من ذكر كبار قريش لا غيرهم.

د ـ وأخيرا فيه مكرمة لتميم عامّة ولبطن أُسيد خاصة، لما وجد في عصبتهم ربيب رسول اللّه هذا، والبركة في أحاديث سيف.

 سلسلة رواة الحديث

خلاصة البحث:

1 ـ روى سيف الحديث الاوّل عن الزبير بن أبي هالة وهو من مختلقاته من الصحابة، وظنّوا أنّ الزبير في الحديث الثاني هو أبن أبي هالة المذكور لاتحاد سند الحديثين، فذكروا الحديث الثاني بترجمة ابن أبي هالة.

2 ـ روى أبو حاتم الرازي (ت: 277ه‍‍) حديث أبن أبي هالة عن سيف.

3 ـ ذكر أبن أبي حاتم الرازي (ت: 327ه‍‍) في الجرح والتعديل أنّ حديث أبن أبي هالة اختصّ بسيف.

4 ـ روى أبن الجوزي (ت: 597ه‍‍) في كتابه ((الموضوعات)) الحديث عن سيف عن الزبير ولم يذكر أسم أبيه.

5 ـ نقل أبن حجر (ت: 852ه‍‍) في الاصابة عن ((الموضوعات))الحديث عن سيف عن الزبير، ولم يذكر اسم أبيه.

روي السابقون الحديث عن سيف مباشرة ونقلا.

6 ـ النجيرمي (ت: 451ه‍‍) في الفوائد عن الرازي حديث أبن أبي هالة الذي رواه عن سيف.

ولتوهّم أنّ الزبير في الحديث الثاني هو أبن أبي هالة ذكر الحديث الثاني في ترجمة أبن أبي هالة كلُّ من:

7 ـ إبن مندة (ت: 395ه‍‍) في أسماء الصحابة.

8 ـ أبي نعيم (ت: 430ه‍‍) في معرفة الصحابة.

ونقل عنهما كذلك:

9 ـ إبن الاثير (ت: 630ه‍‍) في أسد الغابة.

10 ـ الذهبي (ت: 748ه‍‍) في التجريد.

وأبن حجر في الاصابة ذكر كلَّ الاقوال السابقة.

11 ـ الفيروزآبادي (ت: 817ه‍‍) في القاموس.

12 ـ الزبيدي (ت: 1205ه‍‍) في تاج العروس.


1  الطبري ط. أوربا 3 / 2356 و 3429.

2  ابن ماكولا في الاكمال 1 / 523.

3  ابن هشام في المسيرة 4 / 321، وابن دريد في الاشتقاق ص 208، وابن حبيب في المحبر ص 78 ـ 79 و 452، والبلاذري في أنساب الاشراف 1 / 390 وابن ماكولا في الاكمال 1 / 523 ط. حيدر آباد وابن سعد في الطبقات 7 / 14 ـ 15.

4  يشير إلى قول ابن حزم الذي ذكرناه قبل هذا في الجمهرة.

5  سبق إيراد تراجمهم في هذا الكتاب.

6  النجيرمي: هو أبو عثمان سعيد بن محمّد بن أحمد النيسابوري، محدث خراسان، رحل في طلب العلم إلى بغداد وجرجان وغيرهما، والنجيرمي في لباب الانساب (ج 3 / 216) ((نسبة إلى نجيرم ونجارم: محلة بالبصرة)).

7  أبو حاتم هو محمّد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، (195 ـ 277ه‍) تذكرة الحفاظ (2 / 567 ـ 9).

8  في الاصل ((من التكليف)) تحريف.

9  لا يخفى على المتأمل ما في حديث سيف هذا من براعة فنية في الوضع ، فقد ذكر أسماء الخلفاء في الدعاء على الترتيب الذي ولوا الحكم بعد النبيّ ، وذكر دعاءه لكل منهم متناسبا مع حاله بعد النبيّ ، فقد ذكر في دعاء الرسول لابي بكر ((واجمعهم عليه)) ، وهذا يناسب أمر بيعة أبي بكر في السقيفة بعد تناحر المهاجرين والانصار . كما يناسب ((وأعزّ عمر)) أمر الفتوح في عصره ، ويناسب ((وصبّر عثمان)) أمر الفتن على عهده ، وكذلك ((ووفق عبد الرحمن)) مع موقفه يوم الشورى . ولا يخلو من غمز دعاء ((وثبت الزبير)) للزبير ، لادباره عن المعركة يوم الجمل . ودعاء ((وأغفر لطلحة)) لطلحة ، لمّا فعله بعثمان يوم الدار ، وقبل يوم الدار ، وهكذا لوحظ التناسب في بقية فقرات الدعاء المختلق .

10  الفوائد المخرجة، لابي عثمان سعيد بن محمد النجيرمي (ت: 451ه‍)، مصورة مكتبة أمير المؤمنين النجف الاشرف.

11  الموضوعات لابن الجوزي 2 / 30.

12  الاصابة 1 / 528. الترجمة 2790. ق / 1.

13  معرفة الصحابة لابي نعيم (ت: 430ه‍) (ج 1 / ورقة 1 ـ 20)، مصورة مكتبة أمير المؤمنين النجف الاشرف عن مخطوطة طوب قبوسراي (1 / 497أ).

14  أُسد الغابة 2 / 199.

15  التجريد للذهبي 1 / 189، رقم الترجمة 1954.

16  الجرح والتعديل للرازي بن أبي حاتم (ت: 327 ه‍) 1 / ق 1 / 579.

17  اعتمدت في الطبعة الاولى من الكتاب على قول ابن أبي حاتم هذا، وعلى ما جاء في الاصابة عن فتوح سيف، وذكرت الزبير بن أبي هالة في عداد مختلقات سيف من الصحابة ثمّ عثرت على مخطوطة الفوائد للنجيرمي فجاء البحث في الطبعة الثانية كثر دقة من الاولى (وهو العاصم).

18  الاصابة 1 / 528.

19  القاموسى وتاج العروس بمادة زبر للذهبي: 1 / 443 ـ 461.

20  القاموسى وتاج العروس بمادة زبر للذهبي: 1 / 443 ـ 461.

21  وترجمة البهي في الطبري ط. أوربا 1 / 1779.